اشترك في النشرة الإخبارية لاستقبال المقالات الجديدة

الاثنين، 14 أكتوبر، 2013

زواج نجيب الريحاني و بديعة مصابني




 لا أحد ينكر أن بديعة مصابني كانت الحب الأكبر في حياة نجيب الريحاني  بل والبعض يجزم أنها كانت حبه الوحيد وأيضا زواجه منها ليس محل شك أو اختلاف أما الجدل والاختلاف فهو يدور حول آراء وأقوال مختلفة متباينة حول مكان وطريقة وزمان تعارفهما وأيضا موعد ومكان زواجهما وكيف تم؟! حتى انفصالهما والطلاق الذي وقع بينهما وأنهى هذا الحب وهذه العلاقة فهي لا تزال محل جدل واختلاف هائل فهناك من يؤكد أن بديعة مصابني ظلت زوجة لنجيب الريحاني حتى وفاته عام 1949 وهناك من رأى عكس ذلك تماما ويقول إن انفصالهما كان بالطلاق وعند وفاة الريحاني لم تكن بديعة في عصمته أو زوجة له.



لكن قبل أن نبدأ الخوض في قصة الريحاني وبديعة مصابني» لابد أن نتطرق سريعا إلى قصة حب في حياة الريحاني سبقت معرفته ببديعة ففي الدورة الـ31لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي التي أقيمت عام 2007 كانت هذه الدورة مهداة إلى روح هذا العملاق الكبير وفي حفل الافتتاح فوجئ الجميع بسيدة تجاوزت السبعين من عمرها اسمها «جينا» تتسلم الدرع التذكارية التي يهديها المهرجان لروح نجيب الريحاني وسبق تقديم هذه السيدة على المسرح على أنها ابنة نجيب الريحاني وكان المفاجأة فغالبية الجمهور المصري والعربي يعرف تماما أن الريحاني لم يترك أولاداً ولم ينجب من الزوجة الوحيدة في حياته والتي يعرفها كل الناس بديعة مصابني. 

وقيل وقتها ان «جينا» هي ابنة الريحاني من صديقته الفرنسية «لوسي دي فرناي» التي تعرف عليها في بداية تكوينه لفرقته المسرحية التي أطلق عليها «الأجسيانه» ويقول الريحاني عن هذه الفتاة في مذكراته «في هذه الأيام ساقت لي الأقدار فتاة فرنسية لااتزال ذكراها إلى اليوم عالقة في ذهني لا ينسيني إياها «كر الغداة ومر العش» كانت «لوسي دي فرناي»- وهذا هو اسمها- صديقة لي وكانت عونا في الشدة وساعدا بشد أزري ويشدو عزمي ولئن ذكرت في حياتي شيئاً طيبا فأنا اذكر أيام زمالتها وعهد صداقتها».

هذا ما قاله الريحاني عن صديقته في مذكراته التي كتبها عام 1937 ونشرت عن دار الهلال في بداية الخمسينيات بعد وفاة الريحاني وأعادت هيئة الكتاب بالقاهرة طبعها ونشرها مؤخرا ومن خلال نفس المذكرات يروى الريحاني أن علاقته بهذه الصديقة انتهت بالفراق بعد أن سافرت إلى فرنسا في بداية العشرينيات ولم تعد.. وإذا كانت السيدة «جينا» ابنة نجيب الريحاني من هذه الصديقة الفرنسية فهل هي كانت ابنته بالتبني أم غير ذلك ؟! وهل كان هناك زواجا سريا فيما بعد بين الريحاني وهذه الصديقة؟ وأن هذا الزواج تم في فرنسا أثناء تصوير فيلمه السينمائي الثاني «ياقوت» الذي صدر في باريس مطلع عام 1934كلها أسئلة تجعل الجدل والخلاف قائما حول جوانب عديدة في حياة الريحاني الخاصة. 

ونأتي الآن إلى قصة حبه وزواجه من بديعة مصابني وكما ذكرت هي قصة الحب والزواج المؤكدة في حياته والاختلاف فقط في جوانب حولها وليس في حقيقة وجودها كما سنرى، حيث يذكر بعض المؤرخين الفنيين الذين كتبوا عن الريحاني أن لقاءه الأول ببديعة كان في الشام أثناء إحدى الرحلات الفنية لفرقة الريحاني في سورية ولبنان وذكروا ذلك على اعتبار أن بديعة من أصول شامية وأنها راقصة ومغنية وممثلة وكانت اقرب إلى الفنانة الشاملة وانه أي «الريحاني» عرض عليها الانضمام لفرقته نظير راتب شهري قدره 60 جنيها مصريا فوافقت وعادت معه ومع الفرقة إلى مصر.. وهذا الرأي ربما يكون غير دقيق أو جانبه الصواب فالمرجح هو أن اللقاء الأول بينهما كان في مسرح «الاجسيانه» أي مسرح الريحاني في شارع عماد الدين بالقاهرة وفي هذا الجانب هناك رأيان مختلفان تماماً، الأول هو ما روته بديعة مصابني في مذكراتها عندما قالت:إنها أثناء حضورها إلى مصر نزلت إلى شارع عماد الدين وكان معروفا انه شارع الفن والملاهي وأصابتها الحيرة هل تدخل مسرح لي على الكسار أم مسرح الريحاني؟ واستقرت في نهاية الأمر على مسرح الريحاني حيث قابلها الفنان حسين رياض التي تعرفت عليه من قبل أثناء زيارة له للشام فأخذها وقدمها للريحاني الذي رحب بها بشدة وعرض عليها أن تعمل بفرقته نظير راتب شهري 60جنيها شهريا فوافقت ووقعت بالفعل عقد العمل وأن الفنانة «دولت أبيض» كانت حاضرة لهذه الجلسة وكان الريحاني يعرض وقتها مسرحية «أنت وبختك» لكنها في اليوم التالي تذكرت ارتباطا فنيا في الشام فسافرت على الفور دون أن تخبر الريحاني الذي كانت هذه المرة الأولى التي التقته فيها دون أي معرفة من قبل. 

في حين نجد الرأي الثاني مختلفا تماما حيث يقول «أثناء عرض مسرحية «24قيراط» دخلت إلى غرفتي فتاة رائعة الجمال شعرها يكاد يصل إلى الأرض وعيناها بها صواريخ تضرب عن بعد شفتاها تخران عنابا وتتكلم وكأنها تغني خفيفة الدم حاضرة النكتة جريئة وكأنها تعرف كل أسلحة الجمال التي يحويها جسدها ووقفت أتساءل هل هي من لحم ودم وعظم مثل باقي البشر وشعرت أن غذائها من حبات القلوب وفرط الرمان وريقها من عصير التفاح وعرقها من شربات اللوز» 

وكان كل هذا الإعجاب والسحر الذي طال الريحاني عند رؤيته الأولى لبديعة فعرض عليها أن تعمل في فرقته بعد أن تحدثا طويلا فوافقت وعرض عليها راتبا قدره 60جنيها شهريا ووقعت العقد بالفعل لكن في اليوم التالي لم يجدها وبحث عنها دون جدوى وكأنها «فص ملح وداب» على حد تعبير الريحاني نفسه، بعد هذا اللقاء- ربما بعام أو يزيد قليلا- وأثناء الرحلة الأولى لفرقة الريحاني إلى سورية ولبنان حيث وقعت عقدا لتقديم عروضها هناك كان اللقاء الثاني بين الريحاني وبديعة وهو ما يقول عنه في مذكراته» في أولى حفلاتنا هناك «ويقصد الشام» لفت نظري في المقصورة الأولى سيدة ارتدت أفخم ملبس وبدت في أبهى زينة لم اعرفها حقا وفي فترة الاستراحة بين الفصول وجدت هذه السيدة ولاحظت ارتباكي فقالت بذكاء «إنت مش فاكرني ولا إيه» أنا بديعة مصابني فتذكرتها على الفور ورحبت بها بشدة وعرفت منها الدافع لها على هجر مصر بعد اتفاقها على العمل معي وسألتني إذا كان عرضي لها لكي تعمل بالفرقة قائما فرحبت بشدة فسألتني هل سأنجح في فرقتك؟ فقلت لها: انك لا تنجحين على المسرح فقط بل إنني أتنبأ لك بمستقبل تصلين فيه إلى مراتب النجوم من اقرب طريق وفي أسرع وقت، وخلال هذه الليلة جدد الريحاني عقد العمل مع بديعة مصابني التي انضمت للفرقة نظير اجر شهري 40جنيها مصريا وشاركت بالفعل في بعض عروض الفرقة أثناء وجودها بالشام والذي استمر قرابة ثلاثة أشهر وعندما عادت الفرقة إلى مصر عادت معها كواحدة من بطلات ونجمات فرقة الريحاني وكان أول مشاركة لها مع الفرقة في مصر مسرحية «الليالي الملاح» والتي كانت خلالها بديعة تبكي بحرقة من التعب والإرهاق من البروفات المتعاقبة التي كان يجريها الريحاني قبل العروض الفعلية لمسرحياته لكن عندما حققت المسرحية نجاحاً كبيراً ولعبت خلالها بديعة دورا مهماً، ونجحت بقوة وهو مازال تعبها وفهمت وأدركت قيمة البروفات المتعاقبة التي كان يصر عليها الريحاني. 

بعد أن أصبحت بديعة من أهم أعضاء فرقة الريحاني وبعد النجاح الذي حققته في أدوارها الأولى كانت قصة الحب بينها وبين الريحاني قد نمت وترعرعت ولم تعد خافية على احد في الوسط الفني بل وفي المجتمع المصري في ذلك الوقت وكان طبيعيا أن يتوج هذا الحب الكبير بالزواج وهو ما حدث بالفعل لكن- وكما ذكرنا في البداية- هناك أقوال عديدة مختلفة ومتضاربة حول موعد ومكان والطريقة التي تم بها هذا الزواج وعلى كثرة هذه الروايات المختلفة نكتفي بذكر روايتين متناقضتين تماما الأولى روتها بديعة مصابني في مذكراتها التي نشرت بعد وفاة الريحاني، وأكدت فيها أن زواجها من الريحاني وقع في عام 1924 بعد أن ظل يقنعها لفترة طويلة بضرورة زواجهما حتى فوجئت به ذات ليلة يزورها في منزلها ليؤكد لها انه لا يستطيع أن يعيش بعيدا عنها ولابد أن يتزوجا في هذه الليلة. 

أما الرواية الثانية المناقضة تماما لما قالت بديعة فتبدو هي الأكثر منطقية ومصداقية نظر لان صاحبها ومن قالها الكاتب والشاعر الكبير بديع خيري رفيق عمر الريحاني وشريكه في كل نجاحاته ولأنه أي بديع كان شاهدا على عقد الزواج ولا يوجد ما يجله يقول غير الحقيقة ولا مصلحه له في أن يقول غير ما شهد وسمع. 

قال بديع خيري في حوار له في مجلة الجيل نشر عام 1960 وأورده كاملا وبالنص الكاتب والناقد اشرف غريب في كتابه الرائع العصر الذهبي للكوميديا: «استدعاني طبيب الأسنان د.خليل جودة وكان صديقا مشتركا لي وللريحاني ولدهشتي من هذا الاستدعاء المفاجئ ليلا ذهبت إليه في منزله بشبرا على الفور وهناك وجدت الريحاني وبديعة وعند وصولي وجدت قساً ينهي إجراءات الزواج بين نجيب وبديعة وكنت شاهدا على هذا الزواج 

ويستكمل بديع خيري حديثه ويقول بعد إن خرجنا من المنزل طلبت من نجيب أن يزيل دهشتي ويخبرني بهذا القرار المفاجئ لزواجه ولماذا لم يخبرني به وكنا معا منذ وقت قليل؟ ولم يتركني نجيب إلا بعد أن حكي لي أسباب هذا الزواج وهذا القرار السريع العاجل وإمكانية أن فرقة الريحاني تمر بظروف متعثرة لأسباب عديدة.. المهم أن الإنقاذ جاء من خلال مليونير عربي اسمه «إلياس قمر» يعيش في البرازيل جاء يطلب من الريجاني أن يتعاقد مع الفرقة على جولة فنية تقدم فيها عروضها في عدد من دول أميركا اللاتينية وعرض هذا المليونير على الريحاني مبلغا خرفيا وأسطوريا في هذا الوقت، ووافق الريحاني على الفور ووجدها فرصة ليسدد ديون الفرقة التي تراكمت عليه وأيضا فرصة لتجدد الفرقة عروضها في أماكن مختلفة وبعوائد مادية هائلة.

وسط ذلك كله فوجئ الريحاني بأن بطلة فرقته وحبيبته بديعة مصابني تؤكد له أنها لن تسافر مع الفرقة في هذه الرحلة ألا إذا تزوجها وعبثا حاول نجيب أن يقنعها بتأجيل هذا الزواج حتى يعودا إلى مصر لكن بديعة صممت وقالت له إن هذا هو شرطها الوحيد للسفر مع الفرقة ورفض الريحاني بإصرار هذا العناد فقرر ألا يستجيب لها لكن بمجرد أن تركها في المسرح وخرج للشارع حتى تذكر ضيق الوقت الذي لا يمكنه أن يبحث عن بطلة غيرها وان وجد فلا يوجد وقت من تحفظ الأدوار التي ستلعبها في العروض التي سيقدمها وأيضا فرصة الرحلة والمبلغ الأسطوري الذي سيتقاضاه فعاد إلى بديعة على الفور لكن في هذه المرة كان أكثر هدوءاً وأكد لها انه موافق على الزواج.. وتم الزواج في نفس الليلة وكان هذا هو سبب القرار المفاجئ وكان ذلك في سنة 1923 وليس 1924 كما ذكرت بديعة ولاشك تبدو هذه القصة التي رواها بديع خيري هي الأقرب للحقيقة لما عرف عن بديع من صدق ومصداقية وأيضا شهادته على الزواج.

تشير كل الكتابات عن الريحاني أن علاقته مع بديعة بعد الزواج أصابها الفتور بسبب كثرة المشاحنات والخلافات التي كانت تنشب بينهما والغريب أن الريحاني في مذكراته لم يذكر تفاصيل كثيرة عن بديعة مصابني وقصة حبهما وزواجهما وخلافاتهما وانفصالهما.. لكنه ذكر على عجل أن بديعة كانت شعلة من النشاط والحيوي وأنها كانت ما تتهمه بالكسل والإهمال وهي تهمة كانت تزعجني كثيرا لأنها بعيدة عني تماما ولو كنت كسولا ومهملا ما كنت حققت أي نجاح وكانت تسمى دقتي وحالة التأني التي التزم بها في إخراج مسرحياتي كسلاً!! وكانت سامحها الله- أول من اتهمني بـ«الإهمال والكسل».

ويرى بعض المؤرخين الفنيين أن الأسباب الحقيقية وراء المشكلات التي كانت تنشأ بينهما هي الغيرة الفنية من جانب بديعة تجاه النجاح والشعبية الهائلة للريحاني فهي ترى أنها لا تقل عنه أهمية ولا موهبة ولا نجومية وهذا ما جعلها تترك فرقة الريحاني في نهايات العشرينيات وتستأجر مسرحاً في شارع عماد الدين وتنشأ به فرقتها الخاصة. 

ويشير الريحاني في مذكراته إلى أن الخلافات المستمرة بينهما جعلت أصدقاءنا المشتركين يسعون دائما إلى الصلح بيننا وأصبحت فترات الخصام أكثر من فترات الوفاق حتى عندما كانوا هؤلاء الأصدقاء ينجحون في مساعيهم التي تنتهي بعودة بديعة إلى العمل في فرقتي كان لا يمضي وقت طويل إلا ويحدث الخلاف مرة أخرى رغم نجاحها في العروض التي تقدمها.. وأخيرا أدركنا أنا وبديعة أن خلافاتنا أصبحت حالة مستعصي علاجها فاتفقنا فيما بيننا على وضع حد لكل شيء وذلك بفصم عرس الحالة المعيشية وقد كان اتفاقنا هذا على يد محام وبذلك انتهى كل شيء ولم يعد هناك سبيل للشقاق أو الوفاق.. 

انتهى كلام الريحاني ويؤكد عدد من المؤرخين أن الطلاق تم بينهما بعد 10سنوات زواج بينما يؤكد آخرون أن كنيسة السريان الكاثوليك رفضت طلبهما بالطلاق وان بديعة والريحاني ظلا زوجين ولكن منفصلين حتى وفاة الريحاني في 8 يونيو 1943.. الغريب والمثير للدهشة أن بديعة مصابني قالت بعد أسبوعين من وفاة الريحاني أنها ذهبت إليه في مسرحه قبل أيام قليلة من رحيله وطلبت منه «إما أن يعيشا معا أو أن يطلقها ويريحها» وانه قال لها «حاضر يا بديعة أنا فعلا رح أريحك» ومعنى ما قالته بديعة أنها ظلت زوجته حتى وفاته.. في حين اثبت يوسف الريحاني شقيق نجيب الريحاني في المحكمة في رد على الدعوى التي رفعتها بديعة لإثبات حقها في تركته أن بديعة عادت إلى مذهب الكنيسة الأرثوذكسية الذي يبيح الطلاق وأنها رفعت دعوى تطليق أمام المجلس الملي وان المجلس قضى لها بذلك، وقدم يوسف الريحاني إعلانا شرعيا يكتب أحقيته وحده في تركة شقيقه الراحل التي قدرت وقتها بـ200ألف جنيه بعدها قررت بديعة مصابني مغادرة مصر نهائيا إلى لبنان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

ساهم بنشر الموقع و لك جزيل الشكر