اشترك في النشرة الإخبارية لاستقبال المقالات الجديدة

السبت، 24 أغسطس، 2013

الموسيقار العبقري فريد الأطرش



تبقى الانشاءات الخاصة في موسيقى فريد الاطرش في جانبها (الشعبي) علامة غير قابلة للامحاء إذ أن هذا التاريخكان يحال برمته إلى فاعلية الذات الفنية باعتبارها الملجأ الحي، تلك التي انعقدت فيها المصالحات النغمية الشعبية العربية المتنوعة على نحو باهر في (اوبريت) بساطالريح

تلك التجربة الفائقة الخطورة بأقصى ما تستطيع الطاقة الخلاقة الدفاقة التي يمتلكهاالموسيقار أن تعطي مثل هذا العمل المعبر عن تنوع البيئة النغمية العربية
وقبل الحديث عن الخصائص الجوهرية في موسيقى فريد الأطرش الشعبية لابد أن نأتي على تعريف للأغنية الشعبية. ابتداء فهي قالب فني له لازمة موسيقية في الغالب تكون واحدة ثم يعقبها المذهب الغنائي والغصن الأول وعودة للمذهب. ثم الغصن الثاني وعودة للمذهب يصاغ المذهب عادة من مقام تكون الأغصان ايضا من نفس المقام ولضرورات التلوين اللحني يلجأ الملحن إلى تغيير مقامات الأغصان عن مقام المذهب الاصلي دون الخروج علىالقالبية المقامية للمذهب. لا يمكن القول أن الأغنية الشعبية انطلقت من فريد الأطرش فلقد سبقه في هذا المضمار سيد درويش بتلاحينه الرائعة وعظم الطاقة الإبداعية التي صاغ بها أغانيه الشعبية، غير انه يمكن التحديد تماما أن فريد الأطرش حقق وحدةالانسجام النغمي العربي في الأغنية الشعبية عن طريق استخدام آفاق مقامية متنوعةلبيئات عربية متعددة، فهي نتاج جمالي ثقافي ومحاولة لتدبر الدليل الإلهامي الساعي إلى تتابع للعناصر النغمية المشكلة وفقا لمعايير موسيقية تتم حيازتها بصورة واعية. ومن المؤكد أن فريد الأطرش استمد خلاصات تجاربه الفنية في التلاحين الشعبية من محتوى روحي اعتمادا على طاقاته الداخلية فهي نتاج لمزاياه وسجاياه وتجاربه. والمخططالعضوي لفن الأطرش الشعبي يستمد أنواره من التأمل الباطني الخازن لمعرفة بصيرةبالأنغام العربية المتعددة مصرية، سورية، لبنانية، عراقية، سعودية، سودانية،مغربية، تونسية، إلى آخره مع إضفاء طابع عصراني يتآلف ايجابيا مع اتجاهات الأسماع الفنية، إذا ما وضعنا في حسابنا أن فريد الأطرش كان يجيد الغناء وفقا للنص وهو عازف نادر على آلة العود وآلآت عربية وأجنبية أخرى منها (البيانو) وهاضم كبير للأنغام البدوية والريفية ومستوعب للأصول المقامية العربية والشرقية وصاحب صوت رخيم ممتد ومتنوع في المسافات، له قدرة عميقة في مجال الإبحار الصوتي كما يتمتع بملكة عجيبةعلى الصعود والهبوط، يتضح لنا بجلاء الأصل المعماري الفني للأغنية الشعبية الاطرشيةوعلى الرغم من أن لبنان وسوريا كانتا معقلا للموسيقى الشعبية، إلا أن مصر نجحت في تحوير هذه الأهمية وجعلها تتسم بالطابع المصري البالغ الشفافية، وهذا ما قام علىجهود كبار من الملحنين، سيد درويش (طلعت يا محلا نورها، زوروني كل سنة مرة، الحلوةدي قامت) زكريا احمد (يا صلاة الزين، غني لي شوي شوي، القطن) فريد الأطرش (أحبابنايا عين، تطلع يا قمر بالليل، ياللا توكلنا على الله، يا بنت بلدي). هؤلاء كرسوا جزءاكبيرا من فنهم لهذا الجانب أكثر من غيرهم من الملحنين الكبار الآخرين. منهم محمدعبد الوهاب (يا للي زرعتوا البرتقال، هليت يا ربيع، مين زيك عندي يا خضرة، يامراكبي قدف عديني) والأخيرة غناها (محمد امين) في فيلم (ممنوع الحب)، فان الموسيقار محمدعبد الوهاب بثقله الفني اللامحدود لم يعط للأغنية الشعبية من تجليات عبقرية مثل ماأعطى لفنون الغناء الأخرى (القصيدة، الدور، المونولوج، الديالوج، الموال، الطقطوقة) فعبد الوهاب لم يجد في الأغنية الشعبية ا رضية حقيقية لانطلاق اهتماماته الرئيسةالواسعة في مجال التجديد الحي لملامح الفن الموسيقي العربي، بل هو حتى في كتابته لألحان الأغنية الشعبية طلع علينا بمزج فني لخطوط لحنية متوازنة بين عمارة الفن القالبي للأغنية الشعبية وبين الطابع اللوني والميلودي لفن الطقطوقة الممتلئ الفياض فان عبد الوهاب يريد لفنه كتابة موسيقية معقدة وبأنغام رحيبة وحوار مقامي أخاذ ذي حدوسات لونية فسيحة، وتلك لا يوفرها فن الأغنية الشعبية لهذا لم يطل الوقوف عند هذاالنوع من التأليف واتجه إلى طريقه المعروف، وهو ما عرف أيضا عن الموسيقار محمدالقصبجي، الذي لم يترك فنا ذا اثر في هذا الجانب من التآليف اللحنية العربية، بل اتجه إلى حصر ملكاته الإبداعية في مجال المونولوج؛ أما الموسيقار رياض السنباطي،فانه اكتفى بالحان محدودة في مجال الأغنية الشعبية لعل أبرزها (على بلد المحب وبوديني) التي أداها المطرب عبده السروجي في فيلم (وداد) ثم أدتها فيما بعد سيدةالغناء العربي أم كلثوم، إذ اتجه السنباطي إلى تطوير القالب الفني للقصيدةالكلاسيكية. من هنا يتضح عظم الدور الذي القي على عاتق فريد الأطرش، ويستطيع المتتبع الحاذق الملم بتفاصيل الأساليب الموسيقية العربية أن يكتشف في موسيقىالأطرش جميع التغييرات التي طرأت على فن تلحين الأغنية الشعبية، فقد عرف هذاالفنان الكبير، كيف يوفق بين فن البيئات العربية المتنوعة في التصميم والإنشاء وبينميل الحس الشرقي الى الميلوديا، كما انه استطاع أن يقبض على خصائص التكوين الأسلوبي لقالب (الموال) ومزجه بطابع الأغنية الشعبية كما في اغنية (ياديرتي مالك علينا لوم)تلك التي أدتها نبرات أسمهان الفياضة بالسحر في فيلم (غرام وانتقام).
وعبرالفترة التاريخية التي ملأها فن فريد الأطرش، أنتج لنا هذا الموسيقار الكثير من الأغاني الشعبية، التي شغلت الناس وملأت حياتهم، ففي الوقت الذي كان سيد درويش قدانتقل بالغناء الشعبي من غناء الأحرف والكلمات إلى غناء صدر البيت كاملا أو عجزه،وتفنن زكريا احمد في تلوين المقام الأصلي للأغنية الشعبية بمقامات قريبة منه وفيتوسيع القاعدة الثقافية الفنية التي انطلقت منها الأغنية الشعبية فإن فريد الأطرش ادخل الإيقاعات السريعة، الحادة والعنيفة في بعض الأحيان على الأغنية الشعبية مازجاعلى نحو مبهر الأنغام العربية الشعبية مضيفا عليها الطابع الفني لشخصيته، مانحاإياها لونية جميلة من الوحدة الفنية (ليه تشتكي أرضنا والنيل ساقيها، جبر الخواطرعلى الله، الحياة حلوة، هل هلال العيد، من الموسكي لسوق الحميدية، حبيبة أمها،يا دلع، تؤمر على الرأس وعلى العين) وكثير غيرها. ويكشف لنا فن فريد الأطرش عن نزعات التطور التدريجي المشروع، كما انه يمثل نقطة البدء الجديدة التي تتساوق مع الاكتمال التطوري المتوفر على خاصتين أساسيتين، نقاء الأسلوب، والجمع الصحيح بين الشكل الغربي و المضمون المحلي.
حاول فريد الأطرش في الأغنية الشعبية أن يعتمد علىالرحابة النغمية للمقام الأصلي الذي يلحن منه الأغنية وذلك بجمعها الفذ بين العذوبةاللامحدودة والتوقد الفياض الخازن للحدوس الجمالية، مع احتفائها بالصيحات العاطفيةفي ذروات نشوانه، عندما يطلق صوته العريض في موال يقطع به سير الأغنية الشعبيةليبلغ فيه جدية التأملات الوجدانية العميقة للاسماع، ثم يعود إلى لحن الأغنية، اذيختار لمواله مقاما قريبا من المقام الأصلي. أما الإيقاعات المتنوعة التي استخدمهاالأطرش لتآليفه اللحنية الشعبية فهي صورة للاستحداث الذي أراده لفن الاغنية الشعبيةالتي اكتست بهذه الإيقاعات بالروح الحية الطريقة المدهشة. ورغم أن هذه الإيقاعات كان بعضها غربيا، فان هذا اللون الغربي لم يؤثر على عراقة الأصالة الشرقية للأغنيةالشعبية. ويمكن للأسماع أن تحس فعلا في أغنية شعبية واحدة مثل (ياللا توكلنا علىالله) بالتناسق والتآلف والرشاقة في الذوق الفني والصقل النغمي البيئوي مع الإجادةالفائقة في استخدام الألوان والجمع الزاهي بين التصميم واللون في أسلوبية بسيطةتوفرت على دقائقها الرائعة الشاعرية.
ومهما يكن من التباس في تجربته، ذاك الذي يكمن في تأخر الاستدعاء الثقافي الذي يتلاقى فيه الفن الذاتي بالفن الموضوعي، فأنه كان من الممكن أن يتحول الفن الشعبي عند فريد الأطرش إلى حض اجتماعي يجسد اكتشافاتالصفاء الهدفي وليعكس في رشاقته وشاعريته وتماسكه النغمي العجيب أفضل فصيلة فنيةمتحضرة! ومن المهم القول أن فريد الأطرش بنى شهرته الواسعة على دوره الكبير في كتابة الألحان للاغاني الكلاسيكية الطويلة أكثر مما لعب من دور في الأغنية الشعبيةوالطقطوقة! وفريد الأطرش اتجه إلى مصادر متطورة وغنية من إيقاعات وقوالب موسيقيةأوروبية، لم تكن متداولة بالمعنى المعرفي في الموسيقى العربية، فلم يهدف فريدالأطرش إلى إدراج نغمة شعبية في أعماله الكلاسيكية الكبرى إلا تدعيما لطرائقهالتلحينية ذات الخصائص الفياضة بالتفرد، حيث أصبحت الكلمات والجمل تترجم إلىالموسيقى ترجمة دقيقة اعتمادا على تأثيرات أصيلة من التلوين والإلقاء و النبر. وإيقاع (السيراند) الجياش والعاطفي المعروف ضمن القوالب الأوروبية أدرجه فريدالأطرش في مونولوج (أفوت عليك بعد نص الليل) مع خطوط زاخرة بالظلال اللحنية الرقيقةالتي تتحلق بفرادة تتعالى بموهوبية أصيلة على مستوى الاقتباس والنقل إلى مستوىالخلق والمصانعة، ذلك أن دراسات فريد الأطرش الفنية في المعاهد الموسيقية الأجنبيةخلقت عنده نزوعا نحو هذه الموسيقى، كانت الدليل العظيم لتجاربه الناجحة والمؤثرة في أعماله الموسيقية التي مازالت تحتل أسماعنا.
وهذا أيضا ينطبق على المقطوعةالموسيقية الرائعة (رقصة العبيد) التي ألفها الأطرش في فيلم (أمير الانتقام) تميزتبإيقاع أوروبي (البوليرو) لما فيها من تأكيد درامي تعبيري وتلاوة القائية موسيقيةفي نبرات متهادية بعيدة عن القفزات النغمية الصاخبة، فهي تستهل بعزف مهيب من الطبول تمهيدا لظهور آلات أوروبية بحتة تنفرد بخصائص عزفية شاعرية خصبة، عميقة كآلات(الابوا والتشيلو والكمان) غير انه لا يمكن الإقرار بأن هذه المقطوعة لم تعتمد علىبعض النغمات الشعبية، فعلى العكس فإنها حوت على مهارة التناول الشعبي بالأسلوبالموسيقي الرصين المتوج بالإبداع، الحافل بطريقة التوزيع الاوركسترا لي وبأسلوبيةمبسطة خالية من التعقيد الأجوف! كما أن الموسيقار فريد الأطرش استغل الجانب النغمي الشعبي في اوبريتاته الغنائية المطعمة بنظام الكورال الأوروبي وخصائص التناولالصوتي للطبقات العالية الصادحة الجهيرة، وعلى وجه الخصوص الأغاني البديعة التي لحنها لأسمهان، تلك التي تتألق فيها طبقة (السوبرانو) الدرامية ذات المدى الواسع.
ومن خلال ما تقدم تتضح عراقة الفهم العميق لدور الأنغام الشعبية في أعمال فريدالأطرش، التي توفرت على تحويرات شعبية سامية مع اتصافها بالنضارة والبهجة، فهو في هذا يمكننا الادعاء بأن أحدا من الفنانين الكبار لم يضاهه في لونه الشعبي، فأن الغنى النغمي والمقامي الذي يحتويه لم يجهر به كاملا، اذ سد المرض عليه الكثير منمساعي موهبته الفنية، في حين أن فريد الأطرش أراد استجماع كل قدراته الفنية، غير أنما تركه لنا يبقى شاهدا على ثراء الآفاق الروحية لهذا الفنان العظيم.
عن كتاب عبد الحليم حافظ الذي اعده سعاد الهرمزي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

ساهم بنشر الموقع و لك جزيل الشكر