اشترك في النشرة الإخبارية لاستقبال المقالات الجديدة

الثلاثاء، 10 سبتمبر، 2013

أسرارالحكومة الخفية في عهد جمال عبدالناصر

إنها قصة ضباط عاديين من الجيش لم يكن أحد منهم قبل ظهوره يتمتع بأية ميزات أو مؤهلات خاصة ينفرد بها عن أقرانه، ولم تكن بينهم صدقات زمالة السلاح. فقد كانوا من أسلحة مختلفة. ولم تكن بينهم صدقات خاصة سابقة، إذ كانوا بحكم أعمارهم المتباينة من خريجى دفع مختلفة فى الكلية الحربية... ولم تكن الفرصة متاحة أمام أحد منهم للوصول إلى مركز للقوة أو السلطان فقد كان العهد الذى تواجدوا فيه بالجيش هو عهد الثورة.
ولم يكن أحد منهم من الضباط الأحرار أو له أدنى علاقة بثورة 23 يوليو 52 وعلى الرغم من أن كل الظروف كانت فى غير صالحهم وكانت كفيلة بأن تجعل خط خدمتهم بالجيش يسير سيرا عاديا مثل الآلف من أقرانهم بالجيش الذين تدرجوا فى مختلف الرتب حتى أحيلوا على التقاعد فإن الحظ تدخل تدخلا عجيبا فى مجرى حياتهم، وكادوا لا يصدقون أنفسهم عندما اكتشفوا ذات يوم أن المسرح قد خلا فجأة من جميع الأبطال، وأنهم – وهم مجرد الكومبارس الصغار – قد غدوا الأبطال الكبار...
لقد كانت البداية هى تقربهم من بعض رجال الثورة الأقوياء الذين أوصلوهم إلى أول الطريق.
وكانت نقطة البداية والانطلاق هى العمل فى جهاز المخابرات العامة الجديد الذى أنشأته الثورة، وسنحت لهم الفرصة خلال العمل فى جهاز لكى يتعرف عليهم عبد الناصر شخصيا، وعندئذ برزت مؤهلاتهم وتألفت مواهبهم. وكانت مؤهلاتهم عبارة عن خليط من مبادىء ( مكيافيللى) التى تعتبر أن الغاية تبرر الوسيلة، امتزجت فى كيانهم بمواهب شخصية كانت كامنة فى أعماقهم، وعندما حانت الفرصة انطلقت إلى السطح كبركان متدفق .. عناصر متباينة كانت تجمع بين المكر والدهاء والطموح والرياء، والخداع والولاء والعمل المتواصل فى المكاتب على حساب أية حياة اجتماعية خاصة، فإن الغرض كان بإرضاء الرئيس بأى ثمن. كانت مشاعرهم مزيجا من هيام ملتهب بالقوة والسيطرة، وبحكم عدم انتمائهم قبل الثورة لتنظيم الضباط الأحرار، كان استياؤهم بالغا من نفوذ أعضاء مجلس قيادة الثورة، ومن الضباط الأحرار الذين برزوا على المسرح السياسى، على اعتبار أنهم أشد ولاء لعبد الناصر من كل هؤلاء، وأنهم يخدمون الثورة أكثر منهم ، وهكذا أسهموا بتدبيرهم فى معاونة عبد الناصر فى التخلص فيمن بقى من أعضاء مجلس قيادة الثورة واحدا وراء الآخر..
وقد اعترف أحد أعضاء هذه الجماعة فى مذكراته التى نشرت أخيرا وهو الفريق أول محمد فوزي أنه قد لعب الدور الرئيس فى معاونة عبد الناصر فى التخلص من أعز أصدقائه وأقرب زملائه إلى قلبه، وهو المشير عبدالحكيم عامر، حتى انتهى الأمر بمأساة انتحاره فى استراحة ريفية منعزلة فى طريق المريوطية المتفرع من شارع الهرم فى الساعة 6،40 مساء يوم 14 سبتمبر 1967. ولم يبق بعد ذلك من أعضاء مجلس قيادة الثورة القديم فى الحكم سوى عضوين فقط هما السادات وحسين الشافعي، ولكنهما كانا بلا نفوذ او سلطان، ومما زاد من شجونهما أن أى فرد من أعضاء هذه الجماعة كان أهم كثيرا منهما فى نظر عبد الناصر، وعلى الرغم من أن السادات أطلق على أفراد هذه الجماعة اسم جماعة علي صبري ، وجرى المؤرخون والكتاب بعد ذلك على نهجه، وعلى إطلاق هذا الاسم عليها بعد أصبح عرفا واصطلاحا من الصعب تغييره، فإن واقع الأمر وتصحيح التاريخ هو أن هذه الجماعة لم تكن جماعة علي صبري ، وإذا كانت هناك تسمية تصح أن تطلق عليها فيجب أن تسمى جماعة ( شعراوى وسامى وفوزى).
إن أعضاء هذه الجماعة الثلاثية الذين كانوا يحكمون مصر بالفعل، والذين أحكموا قبضتهم بعد هزيمة يونيو 67 على جميع أجهزة الدولة الحكومية والشعبية هم شعراوى جمعة وزير الداخلية وقتئذ، وسامي شرف سكرتير الرئيس للمعلومات الذى صدر قرار جمهورى فى 27 أبريل 70 بتعيينه وزيرا للدولة والفريق أول محمد فوزى وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة الأسبق.
وكما انطلق شأن أعضاء هذا الثالوث كالشهاب اللامع فى سماء السياسة المصرية، وكما علا حظهم وارتفع نجمهم حتى أصبحوا يتحكمون فى كل مقادير البلاد، ويدين لهم الكبار والصغار بالخضوع والولاء، وكما تجرى الحال دائما فى القصص الدرامية المثيرة كانت النهاية مأساة أليمة، ووجد أفراد الجماعة أنفسهم لأول مرة منذ سنوات طويلة داخل زنازين موحشة رطبة، وراء قضبان من حديد فى سجن ( ابو زعبل) ثم فى ليمان طره.
لقد ضاع المجد،وتبخر السلطان، وانصرف عنهم الأصدقاء والأحباب، وانفض الخدم والحشم، ولم يعد هناك مسرح كى يلعبوا فوقه أدوار البطولة ولا جمهور حاشد كى يصفق لهم بحماسة كالعادة. إنما خطوات ثقيلة لسجان غليظ القلب مكفهر الملامح، لم يدرك أن داخل تلك الزنازين التى يتولى حراستها من كانوا يتحكمون يوما من الأيام فى مقادير مصر ومصائر شعبها وكيف يدرك مثل هذا السجان أن نزلاءه التعساء المستكينين كانوا فى فترة من التاريخ ملوك مصر غير المتوجين..
بعد هزيمة يونيو 67 انعقد عزم عبد الناصر على تركيز جهوده بأكملها من أجل إعداد القوات المسلحة لخوض غمار معركة ثأرية حاسمة ضد إسرائيل يسترد بها زعامته التى تزعزعت، ويستعيد بها العرب كرامتهم المفقودة وأرضهم المسلوبة. وحتى يمكنه التفرغ لهذا الواجب المقدس أوكل مسئولية حكم البلاد خلال تلك الفترة العصيبة إلى أفراد تلك الجماعة الثلاثية ( شعراوى وسامى وفوزى) واعتبرهم مسئولين أمامه عن سلامة النظام واستقرار الأمن وعن كافة الشئون الداخلية والخارجية فى البلاد.
وعلاوة على هيمنة أفراد الجماعة بحكم مناصبهم وإشرافهم على جميع السلطات التنفيذية فى الدولة فقد كانت هيمنة قوية كذلك على التنظيم الشعبى الوحيد فى مصر وهو الإتحاد الإشتراكي، إذ إن شعراوي جمعة علاوة على منصبه الخطير كوزير للداخلية كان يشغل منصب الأمين المساعد لعلي صبري أمين التنظيم، كما كان شعراوى يتولى أمانة التنظيم الطليعى منذ عام 65 وهو تنظيم سرى أمر عبد الناصر بإنشائه داخل الإتحاد الإشتراكي بهدف حماية النظام الناصرى من القوة المضادة للثورة، ووفقا لنصوص الميثاق فإن التنظيم الطليعى هو الذى يقود الإتحاد الاشتراكي وبالتالى يتولى قيادة جماهير الشعب.
وكان أعضاء الجماعة " شعراوى وسامى وفوزى" يجتمعون كل مساء بعد انتهاء العمل اليومى فى مكتب سامى شرف المواجه لمنزل عبد الناصر بمنشية البكرى، حيث تعرض عليهم أهم شئون الدولة ليتولوا بحثها وإصدار قراراتهم بشأنها، وعن طريق التليفون المباشر الذى كان يربط بين الرئيس وسامي شرف كان عبد الناصر يتصل بسامى أو شعراوى أثناء الاجتماع، وكان أحيانا يطليهما معا أو كلا على حده لمقابلته فى المنزل، وعندما كان يطالع مقالا أو نبأ فى مجلة أو جريدة مصرية أو أجنبية يلفت نظره كان يؤشر عليه سامي أو شعراوى للإطلاع حتى تكون جميع المعلومات لديهما.
ووصلت ثقة الرئيس بهذه الجماعة إلى حد أن الرئيس كان أحيانا يسافر إلى الخارج ويوكل لأفرادها تصريف أمور البلاد دون أن يعين نائبا عنه كما هو المفترض، كما كانت تعليماته تقضى بألا يترك أفرادها القاهرة فى وقت واحد..
وكان شعراوى وفوزى لا يتركان مكتب سامى إلا بعد أن يتأكدا أن الرئيس قد توجه إلى غرفة نومه، أما سامى فلم يكن يغادر المكتب إلا بعد أن يطمئن إلى أن الرئيس قد استغرق فعلا فى النوم.
وكان سامي شرف هو حلقة الاتصال الوحيدة بين عبد الناصر ، وبين الوزراء وكبار المسئولين فى الدولة، فعن طريق سامي شرف يتلقون التوجيهات والأوامر. وإلى مكتبه يبعثون بالتقارير والدراسات المطلوبة منهم، وعندما بدأت الشائعات تنتشر فى مصر وأخذت الصحف فى الخارج تنشر أن مصر ، يحكمها ثلاثة من وراء عبد الناصر لم يكن الرئيس يهتم كثيرا بذلك الأمر، وعندما كان يكتشف أن أفراد الجماعة غاضبون مما ينشر فى الخارج أو مما تلوكه الألسن فى الداخل كان يقول لهم:" ماتزعلوش لو الناس مشتمتكوش يبقى ملكوش قيمة عندى"
وكان يقول لهم ضاحكا إنه لو فتح جريدة الجارديان الإنجليزية ووجدها تمدح فيه شخصيا لأدرك على الفور أنه يسير فى الطريق الخاطىء..
وكان عبد الناصر بعد حرب يونيو 67 قد أصبح يجمع بين رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، وكان يعتمد أن يكون لشعراوى وسامى مركز مرموق ووزن خاص لدى أعضاء الوزارة، وحدث ذات مرة أن طلب من شعراوى إبلاغ توجيه وتأنيب إلى أحد الوزراء المدنيين، ولما حاول شعراوى الاعتذار للرئيس هن طريق سامي بالنسبة لحساسية الوضع أبدى عبد الناصر استغرابه من ذلك الحرج الذى يحس به شعراوي وقال:" أنا عاوز الوزراء يشعروا أنهم بتوعكم" ولما رد عليه سامى قائلا" بتوع سيادتك يا فندم" كرر مرة أخرى " لا بتوعكم أنتم"..
كيف كانت الرقابة تفرض على الأشخاص؟
كان شعراوى جمعة وسامي شرف هما اللذين يتحكمان وحدهما فى فرض الرقابة على الأشخاص فى مصر كلها، وكان من سلطة أى منهما أ، يصدر أمرا شفويا بوضع أى شخص فى مصر تحت الرقابة، مهما كان هذا الشخص ومهما كان منصبه أو مركزه، وبدون الرجوع إلى اية جهة قضائية. وكانت عملية الرقابة بمختلف أنواعها تتم بواسطة جهازين فى الدولة هما جهاز المخابرات العامة التابع ل سامى شرف ، وجهاز المباحث العامة التابع لشعراوى جمعة. ولم تكن هناك أية قواعد أو أسس موضوعة لإتباعها قبل إصدار أوامر المراقبة، ووفقا لاعتراف سامى شرف فى التحقيق كانت هناك ثلاثة أساليب للمراقبة:
أولا
تسجيل الأحاديث التليفونية. وكان ذلك يتم فى قاعة خاصة بالسنترال المركزى بمبنى هيئة التليفونات، بشارع رمسيس، بمعرفة جهاز المخابرات العامة والمباحث العامة، وكانت تفريغات شرائط التسجيلات التليفونية ترسل بواسطة المخابرات إلى سامي شرف وبواسطة المباحث العامة إلى شعراوى جمعة، للإطلاع عليها، ثم تحفظ بعد التأشيرة عليها بما يتبع فى ملفات خاصة للرجوع إليها والاستفادة منها عند الضرورة.
ثانيا
نظام التصنت وهو عبارة عن وضع أجهزة حساسة للتصنت ( ميكروفونات غاية فى صغر الحجم) فى منزل أو مكتب الشخص المطلوب مراقبته، ويمكن بهذه الوسيلة الاستماع إلى كل ما يدور لديه من أحاديث وأقوال، وتسجيلها فى نفس الوقت بواسطة أجهزة تسجيل موجودة فى أماكن أخرى بعيدة إما سلكيا أو لاسلكيا.
وكانت هناك وسيلتان لوضع أجهزة التصنت خفية فى المكاتب والمنازل دون أن يشعر أصحابها، الوسيلة الأولى: هى قيام أفراد متخصصين من أجهزة الأمن بدخول البيوت أو المكاتب بمفاتيح مصطنعة بعد التأكد من خلوها من أصحابها، ووضع أجهزة التصنت فى أماكن مخفاة لا يمكن اكتشافها والوسيلة الثانية: هى تجنيد بعض الأشخاص – عن طريق الإغراء بالمال أو التهديد بالإيذاء – ممن لا يثير دخولهم هذه الأماكن أية شبهات، مثل عمال التليفونات وسعاة المكاتب وخدم البيوت والسائقين الخصوصيين وبعض الحرفيين أمثال عمال السباكة والكهرباء والبياض والنقاشة وتوكل إلى هؤلاء بعد تدريبهم مهمة وضع أجهزة التصنت فى الأماكن التى تحدد لهم خفية دون أن يثير دخولهم بالطبع أية شكوك بحكم ترددهم الطبيعى على هذه الأمكنة لمزاولة أعمالهم.
وكانت عملية وضع أجهزة التصنت لتسجيل ما يدور فى المكاتب والبيوت تعد انتهاكا صارخا لحرمة البيوت التى يكفلها الدستور والقانون.
ووصل الأمر إلى أن رئيس الجمهورية وقتئذ لم يسلم بيته فى الجيزة من وضع أجهزة التصنت به، وقد أعلن الرئيس الراحل السادات هذه الحقيقة المذهلة فى بيانه الشهير الذى أذاعه على الشعب يوم 14 مايو 71 عن طريق الإعلام. فقد ذكر ما يلى بالحرف الواحد" فيه وزراء قالوا لى بيتك فيه تسجيل عليك! بيت رئيس الجمهورية الخاص ! كنت بقول لهم بلاش كلام فارغ، مين يجرؤ يعمل حاجة زى دى؟ مين حيعملها سامي ولا شعراوى؟ ويؤسفنى أن أقرر أنه اتضح أن أودة مكتبى فى بيتى، فى بيت رئيس الجمهورية، وجدنا فيه جهاز امبارح بالليل، لأن بعد اللى جرى بعت جبت جهاز الكترونى اللى يبحث ووجدت الجهاز فى غرفة مكتبى أنا شخصيا".
وقد تبين خلال التحقيق فى أحداث 15 مايو 71 أن سامي شرف قد ثبت بعض أجهزة التصنت فى أماكن مختلفة فى الإتحاد الاشتراكي لتنقل إلى أجهزة الاستماع والتسجيل فى مكتبه كل ما يدور فى هذه الأمكنة من أحاديث وأسرار.
وقد كشف الستار لتنقل عن هذه الحقيقة المجهولة التقرير الذى قدمه المهندس عبدالسلام خليل وكيل الإدارة العامة لتشغيل استوديوهات التليفزيون وقتئذ، الذى كلفته النيابة العامة بمعاينة مكتب سامي شرف بالطابق الثانى عشر بمبنى الإتحاد الاشتراكي وفحص أجهزة التسجيل التى كانت مخفاة داخل دولاب صاج بحجرة المكتب. وكانت هذه الأجهزة تتصل بأسلاك تمتد داخل الجدران إلى أماكن بالمبنى. وقد ورد فى تقرير المهندس عبدالسلام خليل أنه لم يتمكن من متبعة الأسلاك لمعرفة الأماكن التى تؤدى إليها لأنها داخل الجدران.
ثالثا:
المراقبة الشخصية، وتتم بواسطة أفراد مخصصين لذلك من أجهزة الأمن، لمتابعة تحركات الشخص الموضوع تحت المراقبة طوال اليوم وتقديم تقرير عن نشاطه وزياراته ولقاأته، وتأخذ هذه التقارير نفس مجرى النظم السابقة، من حيث اطلاع سامي وشعراوي عليها، ثم حفظها بعد ذلك فى ملفات خاصة.
وكانت تفريغات تسجيلات التصنت وتقارير المراقبة الشخصية يتم حفظها فى مكتب تابع ل سامى شرف يرأسه موظف يدعى توفيق عبد العزيز . وكانت هذه السلطة المطلقة التى يتمتع بها كل من سامي وشعراوي عرضه بالطبع كى تستغل الأغراض شخصية ولمعرفة أسرار بعض الشخصيات المعروفة، وقد اتضح بالفعل من تفريغات بعض الشرائط التى ضبطت بعد أحداث 15 مايو أن بعضها كان يحوى أمورا شخصية بحتة أو يختص بعلاقات نسائية، ومنها ما كان يتعلق ببعض الممثلات والراقصات المعروفات وقد صدر الأمر ذات مرة بتصوير إحدى السيدات الوارد حديثها فى التسجيلات ( ربما بسبب عذوبة صوتها)
ولا يمكن بالطبع الإقتناع بما ذكره سامي وشعراوي فى التحقيق من أن المراقبة على الأشخاص كانت لمصلحة الأمن والنظام، وإلا كيف يمكن تفسير السر فى وضع تليفونات شخصيات قيادية مرموقة تحت المراقبة، بينما أصحابها يعدون وقتئذ من دعائم ذلك النظام ومن أبرز رجالاته أمثال حسين الشافعي و سيد مرعي و علي صبري و عزيز صدقي و لبيب شقير و ضياء داود و أمين هويدي و محمد أحمد و فريد عبدالكريم و محمد إبراهيم دكروري .
وقد اتضح من معاينة شرائط التسجيل التى ضبطت بعد أحداث 15 مايو أن أحد الشخصيات القيادية بالإتحاد الاشتراكي كانت له علاقة غير شريفة مع زوجة أحد أصدقائه. وقد احتفظت المباحث العامة بشريط تسجيل تضمن حديثا متبادلا بينه وبين هذه السيدة، حوى عبارات وألفاظا فاضحة غاية فى البذاءة بين الطرفين و مما دعا شعراوي جمعة إلى إصدار أمره بالتحفظ على هذا الشريط وعدم مسحه كوسيلة لاستغلاله بالطبع ضد هذا المسئول الكبير فى حالة عدم انقياده له أو محاولة التمرد عليه.
وقد علق الرئيس الراحل السادات على هذا النوع الدنىء من شرائط التسجيل الذى ضبط منه عدد وفير، فقال فى الخطاب الذى ألقاه أمام مجلس الشعب فى 20 مايو 71 ما يلى:" فيه مسائل فى أشرطة التسجيل ستهدم بيوت فى هذا البلد، هل هى أخلاق؟...نمسك ذلة، ونذل الناس ونقول انا ماسك لك، وطلع المتآمرين كل واحد فيهم ماسك ذلة على الثانى إيه ده؟".
وكان سامي وشعراوي أدرى الناس بالطبع بخطورة وبشاعة ما تضمنه التسجيلات التليفونية وتسجيلات التصنت على البيوت والمكاتب ومدى مخالفتها للشريعة والشرف والدستور والقانون، ولذا بذل كل منهما محاولاته لوضع يده عليها أو على الأقل حرقها وإعدامها لإزالة آثار تلك الجريمة النكراء التى ارتكبت فى حق الشعب المصري، ولذا لم يكد يعلم شعراوى خلال وجوده بمكتب الفريق محمد فوزي بعد ظهر الخميس 13 مايو أن ممدوح سالم محافظ الإسكندرية استدعى إلى منزل الرئيس بالجيزة، وأنه من المنتظر تعيينه وزيرا للداخلية – حتى سارع بالاتصال تليفونيا باللواء حسن طلعت مدير المباحث العمة، وطلب منه إعدام كل ما يحتفظ به فى إدارته من شرائط التسجيل وتفريغات المحادثات التليفونية المسجلة، ولكن اللواء حسن طلعت لم يتمكن من تنفيذ شعراوى جمعة، فقد سبقته إلى استلام غرفة التسجيلات بوزارة الداخلية قوة من رجال الحرس الجمهورى أرسلت على وجه السرعة بناء على تعليمات من رئيس الجمهورية، الذى سارع فى نفس الوقت بإجراء اتصال تليفونى مع وزير العدل، لإرسال اثنين من وكلاء النيابة لاستلام الغرفة من الحرس الجمهورى، وضبط الشرائط والتفريغات والبدء فى التحقيق على الفور.
وقد حاول شعراوى جمعة تبرير ذلك التصرف السريع الذى اتخذه أثناء التحقيق معه أمام المدعى الاشتراكى فى قضية 15 مايو 1971 فقال إنه قد أجراه حفاظا على أعراض بعض النساء المتزوجات، فقد كانت بعض التسجيلات تضم عبارات تدل على وجود علاقات غير شريفة بينهن وبين بعض الشخصيات التى كان يجرى تسجيل أحاديثهم التليفونية.
وكما جرت محاولات وزير الداخلية لإعدام شرائط التسجيل وتفريغاتها فى غرفة التسجيل التابعة للمباحث العامة، حاول أحمد كامل مدير المخابرات العامة هو الآخر أن يضع يده على شرائط التسجيل الموجودة فى غرفة التسجيل بجهاز المخابرات العامة، فلم يكد يتصل به محمد سعيد سكرتير سامي شرف تليفونيا فى بيته فى الساعة التاسعة والنسف من مساء يوم الخميس 13 مايو 71 لينقل إليه تعليمات سامي شرف بوجوب تقديم استقالته من منصبه فى الحال إلى رئيس الجمهورية ، وبعد أن أعلنت الإذاعة فى نشرة أخبار الساعة الحادية عشر مساأ نبأ استقالة الوزراء الخمسة سامي شرف و محمد فوزي و سعد زايد و حلمي السعيد و محمد فايق – حتى أحس باقتراب الخطر، فبادر بالاتصال تليفونيا بعادل العربى رئيس القسم المشرف على تسجيل الأحاديث التليفونية بجهاز المخابرات العامة وطلب منه التوجه من منزله على الفور إلى مبنى المخابرات، وأن يجمع كل ما فى غرفة التسجيلات من شرائط تسجيل وتفريغات وأن يحضرها بأكملها فى منزله.
وأثناء انهماك عادل العربي فى تأدية المهمة التى كلفه بها رئيسه كان السادات قد أيقظ اللواء أحمد إسماعيل من نومه قبل الواحدة صباحا ليأمره بالتوجه إلى مبنى المحابرات العامة ليتولى رئاستها، ولذا عندما انتهى عادل العربي من تجميع الشرائط والتفريغات وجد أن اللواء أحمد إسماعيل هو الذى يجلس على مكتب المدير، ولذا لم يحاول التوجه إلى منزل رئيسه القديم هو الذى أحمد كامل ، بل توجه بكل ما يحمله من شرائط وتفريغات إلى مكتب المدير الجديد، حيث سلمه الهدية الثمينة التى لا تقدر بثمن.
وكان تسليم شرائط التسجيل إلى أحمد إسماعيل نقطة تحول خطيرة فى القضية التى قام من أجلها أعضاء الجماعة المناوئة للسادات إلى محكمة الثورة، التى تشكلت برئاسة حافظ بدوى رئيس مجلس الشعب ، وعضوية المستشار بدوي حمودة وحسن التهامي مستشار رئيس الجمهورية، فقد حوت الشرائط تسجيلا كاملا لجميع الأحاديث التليفونية التى دارت بين أفراد الجماعة فى مرحلة الأزمة الأخيرة التى نشبت بينهم وبين رئيس الجمهورية بشأن الاتحاد الثلاثى العربى بين مصر و سوريا و ليبيا فى أعقاب اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للإتحاد الاشتراكي يوم الأربعاء 21 أبريل ، التى اشتدت وطأتها بعد إقالة علي صبري فى 2 مايو 71 .
وكانت هذه التسجيلات فى الواقع هى دليل الإدانة الأساسى، الذى اعتمدت عليه محكمة الثورة فى إصدار أحكامها بالإعدام والسجن على المتهمين من أفراد هذه الجماعة ( خفف رئيس الجمهورية أحكامها بالإعدام إلى السجن المؤبد). وقد تمت كل هذه التسجيلات كما ذكرنا بناء على أوامر سامي شرف . وهكذا وجد أعضاء الجماعة، فهم يدفعون ثمن حماقة زميلهم الذى ألقى بنفسه وبهم إلى الهلاك.
استطاعت الجماعة الثلاثية – بفضل ما كانت تتمتع به من سلطات مطلقة ونفوذ جبار – أن تحيط الرئيس الراحل عبد الناصر بسياج محكم، وأن تتم عزله عن الجميع بحيث أصبح أفرادها هم العين التى يبصر بها، وهم الآذان التى يسمع عن طريقها، وهم اللسان الذى ينطق بكلماته وينقل إلى المسئولين أوامره وتوجيهاته، ولم يعد هناك منافس للجماعة الحاكمة أو قرين قد بقى على المسرح السياسى فى مصر غير علي صبري الأمين العام للتنظيم بالإتحاد الاشتراكي ورئيس الوزراء الأسبق والرجل القوى الذى حصل على أعلى نسبة من أصوات اللجنة المركزية فى انتخابات اللجنة التنفيذية العليا، والذى جاء بعه فى الترتيب حسين الشافعي وأنور السادات ويبدو أن اتصالاته الوثيقة بالقادة السوفيت فى تلك الفترة التى جعلت الجميع ينظرون إليه على أنه رجل موسكو رقم 1 فى مصر ، قد أثارت مشاعر عبد الناصر ضده مما حفز الجماعة على ضرورة التخلص منه، أو على الأقل تقليم سلطاته وتقليص نفوذه وتم ذلك بنجاح على اثر حادث مثير كان أشبه ما يكون بالقصص البوليسية وهو ما عرف وقتئذ باسم حادث المطار.
فى 23 يونيو 69 سافر علي صبري ووفد مرافق له إلى موسكو، وكان برفقته حرمة ونجله حيث أمضوا هناك ثلاثة أسابيع، وقبل العودة كلف علي صبري سكرتيره الخاص مصطفي ناجي الذى كان ضمن الوفد المرافق له بالسفر وحده إلى القاهرة، على أن يحمل معه ما يخص علي صبري وأسرته من حقائب وطرود وعندما اتضح أن وزنها يتجاوز 2000 كيلو جرام رفض مدير فرع شركة مصر للطيران بموسكو نقل هذا الوزن الضخم إلا بعد دفع الرسوم المقررة الأمر الذى دعا مصطفي ناجي إلى إرسال برقية عاجلة إلى صلاح الشافعي وصلاح فراج مديرى مكتب علي صبري بالإتحاد الاشتراكي بالقاهرة بتاريخ 11 يوليو وكان نصها كما يلى:
" رجاء التنبيه على السيدين عبد الحميد البلدى و إسماعيل محمد بانتظارنا فى مطار القاهرة باللورى والجيب يوم الإثنين 14 يوليو حيث سأصل بمفردى ومعى أمتعة السيد علي صبري على الطائرة المصرية، والاتصال بشركة مصر للطيران ليرسلوا للسيد حسين توفيق مديرها لموسكو الموافقة تلغرافيا بشحن 2000 كيلو جرام زيادة على المقرر بصحبتنا فى نفس التاريخ وعلى نفس الطائرة، على أن تتم المحاسبة عن طريق الإتحاد الاشتراكي، وعلى أن ترسل شركة مصر للطيران بالقاهرة برقية إلى فرعها بموسكو بما يفيد ذلك".
وقبل سفر مصطفي ناجي بقليل وأخطره علي صبري أن المسئولين فى موسكو اعدوا له طائرة خاصة لنقله هو والوافد الموافق له وجميع حقائبه وطروده إلى القاهرة على نفقة الحكومة السوفيتية، مما دعا مصطفي ناجي إلى إرسال برقية ثانية إلى صلاح الشافعي وصلاح فراج بتاريخ 12 يوليو وكان نصها كما يلى:
" خالص تحياتى . الرقية السابقة لاغية بكل تفصيلاتها الرجاء إلغاء الترتيبات الموضحة بها. الجميع سيحضرون على الطائرة الروسية يوم الثلاثاء 15 يوليو وسأكون بصحبتهم رجاء التنبيه على السيد عبد الحميد البلدى للإنتظار فى المطار فى موعد وصول الطائرة وشكرا".
وعندما وصلت الطائرة السوفيتية إلى مطار القاهرة 15 يوليو كان فى استقبال علي صبري بالمطار عبد الحميد البلدى ، وهو الموظف الذى طلب حضوره بالذات، وكذا بعض موظفى مكتبه الذين احضروا معهم سيارة لورى وقفت أسفل سلم الطائرة، وتم نقل جميع الطرود والحقائب من الطائرة إلى اللورى الذى انطلق به السائق مباشرة إلى فيلا على صبرى الفخمة بجوار كازينو الميريلاند ب مصر الجديدة.
واستغل شعراوي جمعة و سامي شرف المعلومات الثمينة التى وصلتهما عن أحداث رحلة علي صبري من موسكو إلى إلى القاهرة لإيغار صدر عبد الناصر وإثارته ضده، فقد نقلا إليه نص البرقيات المتبادلة بين سكرتيره الخاص فى موسكو ومديرى مكتبه بالقاهرة، وكذا أمر الطائرة الخاصة التى خصصتها الحكومة السوفيتية لنقله هو وأسرته والوفد المرافق له من موسكو إلى القاهرة على نفقتها كما أبلغاه بموضوع اللورى الذى امتلأ على سعته بأمتعة علي صبري التى زاد وزنها عن 2000 كيلو جرام، والذى انطلق به السائق رأسا من أسفل سلم الطائرة إلى فيلا علي صبري دون المرور على الدوائر الجمركية.
ولم يكن ممكنا من الناحية العملية وصول مضمون البرقيتين المرسلتين من موسكو إلى مكتب علي صبري أمين التنظيم ب القاهرة إلى أى مسئول بالإتحاد الاشتراكي إلا إذا كان الشخص هو شعراوي جمعة بحكم منصبه كأمين التنظيم المساعد إذ إن موظفى مكتب علي صبري المعروف بصرامته وقسوته الشديدتين فى معاملة مرءوسيه لم يكونوا من الغباء بحيث يسمحون بتسرب معلومات سرية خاصة برئيسهم إلى أى إنسان.
ولم يكن فى مقدرة أحد من الناحية الواقعية إبلاغ هذه المعلومات إلى عبد الناصر بهذه الطريقة التى أثارته ودفعته إلى إصدار تعليماته إلى شعراوى جمعة بالتحقيق فى هذه الواقعة عن طريق المباحث العامة وهو إجراء استثنائى لم سبق له مثيل مع أحد من كبار المسئولين، وبالأخص مع شخص فى مكانه علي صبري، إلا إذا كان القائم بالتبليغ هو السكرتير الخاص ل عبد الناصر أى سامي شرف ، إذ أن سامى كما سبق أن أوضحنا كان وقتئذ هو أقرب معاونى عبد الناصر ، وألصقهم به فى العمل، وأهم من ذلك كله كان أقدر الناس على معرفة حقيقة مشاعر عبد الناصر تجاه علي صبري فى ذلك الحين وكانت بلا شك تتسم بالنقمة عليه وعدم الرضا عنه، مما شجعه على تقديم ما لديه من معلومات بطريقة استفزت عبد الناصر ، وضاعفت من حدة غضبه ضد علي صبري..
وقد اعترف سامى شرف فى التحقيق الذى أجراه معه جهاز المدعى الإشتراكي فى قضية 15 مايو 1971 أن علاقة علي صبري به قد ساءت عقب حادث المطار لأنه اعتقد أنه كان وراء هذا الموضوع.
ومن الواضح أن عبد الناصر قد وجد فرصة لتأديب علي صبري وتقليص نفوذه ، وكذا للتهويم من شأنه وتقليل حجمه أمام القيادة السوفيتية فأمر بإجراء التحقيق فى الحال.
ورعد بضعة أيام من وصول علي صبري إلى القاهرة بدأت المباحث التحقيق فى الحادث بطريقة سرية، واستدعى أمام سلطة التحقيق بعض موظفى مكتب علي صبري، وكان منهم بالطبع سكرتيره الخاص مصطفي ناجي، وأولئك الذين استقبلوه بمطار القاهرة، وكذا سائق اللورى، وسئلوا جميعا عن تفاصيل الموضوع وعن سر ذلك الوزن الضخم من الطرود التى نقلت من موسكو وعن محتوياتها، وإلى أين أرسلت وهل سبق لعلي صبري إحضار أمتعة معه بمثل هذا الوزن فى أسفاره السابقة؟..
وإمعانا فى إذلال على صبرى صدرت الأوامر عقب انتهاء التحقيق باعتقال سكرتيره الخاص مصطفي ناجي.
وفى 30 يوليو 69 أى بعد 15 يوما فقط من العودة من موسكو فوجئت أسرة مصطفي ناجي بزوار الفجر يقتحمون عليهم البيت وينتزعون مصطفى من بينهم حيث أودع السجن القلعة بدون أى أمر قضائى أو اتهام، ولم يفرج عنه إلا بعد 60 يوما بعد إصابته بانهيار عصبى لفرط ما عاناه من الظلم والعذاب، مما دفع مدير مستشفى الأمراض العصبية إلى الإلحاح فى سبيل الإفراج عنه حرصا على حياته، وخرج مصطفى من السجن حطاما ليجد نفسه منقولا إلى وزارة استصلاح الأراضى بعيدا عن مكتب علي صبري ولم تمر أيام قلائل حتى وافته منيته.
وساء موقف علي صبري بالطبع بمجرد أن علم أن موظفى مكتبه يستدعون للتحقيق معهم أمام المباحث العامة، بدون إذنه وبناء على تعليمات شخصية من رئيس الجمهورية وازداد موقفه تحرجا عقب إلقاء القبض على سكرتيره الخاص مصطفى ناجى وإلقاء القبض على سكرتيره الخاص مصطفي ناجي وإلقائه فى زنزانة انفرادية بسجن القلعة. وأحس علي صبري بإحباط شديد عندما لم تنجح اتصالاته لتحديد الموعد الذى طلبه كى يلتقى ب عبد الناصر لتصفية الجو بينهما، مما حدا به إلى الاعتكاف فى منزله والانقطاع عن مكتبه والامتناع عن حضور الحفلات والمناسبات العامة.
وقد روت لنا حرم مصطفي ناجي أن علي صبري تخلى تماما عن زوجها بمجرد دخوله السجن، رغم علمه أن مصطفي ناجي يدفع ثمن ما جناه هو، وأن اعتقاله إنما مجرد وسيلة للضغط عليه هو وتأديبه ليسارع بتقديم آيات الخضوع والولاء للرئيس، وليعرف فى المستقبل حدود مركزه فلا يتعداها ثانية..
ومن سخرية القدر أن علي صبري عقب اعتقاله فى أحداث 15 مايو 71 نزل فى سجن القلعة فى نفس الزانزنة التى نزل فيها سكرتيره الخاص من قبل وهكذا شاءت العناية الإلهية أن يذوق من نفس الكأس التى ذاق منها من قبل مصطفي ناجي ظلما وعدوانا بسببه، وليت الظالمين يتذكرون دائما قوله تعالى : "وذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد".
ورغم إحاطة الحادث بحاجز كثيف من السرية والكتمان، فإن الشائعات لم تلبث أن انتشرت فى كل مكان بأن علي صبري قد انقطع عن مزاولة عمله، وأنه قد تغيب عن حضور عدة مناسبات سياسية هامة، وبدأت التساؤلات عن حقيقة الحادث تتوالى من مكاتب الإتحاد الاشتراكي وخلايا التنظيم الطليعى مما أجبر عبد الناصر على الاتفاق مع محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام وقتئذ على صيغة إيضاحية، يتم نشرها فى جريدته عوضا عن إصدار بيان رسمى عن الحادث.
وفى صباح الأحد 21 سبتمبر 69 صدرت الأهرام وكان عنوانها الرئيسى فى صفحتها الأولى يتكون من كلمة واحدة فقط كتبت بحروف ضخمة هى " الحقائق" وورد بعد ذلك البيان التالى بالحرف:
" عندما عاد علي صبري من رحلته إلى الاتحاد السوفيتى فى يوليو تواترات روايات تفيد أن الطائرة التى وصل عليها من موسكو حملت أمتعة معها تزيد على الوزن المقرر، وأن هذه الأمتعة خرجت من مطار القاهرة دون أن تدفع عنها رسوم الجمارك. وجرى تحقيق فى هذه الواقعة، وذلك ما كان ينبغى أن يحدث، وهو ظاهرة صحية. وتبين أن هناك أصلا للواقعة، مع وجود مبالغة فى الروايات .
وتناول الحقيق بعض أفراد السكرتارية التى صاحبت على صبرى فى رحلته ووجد علي صبري، وكان ذلك منطقيا ومطلوبا – أنه من اللازم لسلامة التحقيق أن يجمد نشاطه فى الإتحاد الاشتراكي حتى ينتهى التحقيق، وانتهى التحقيق بنتيجة تؤكد تماما أن على صبرى لم يكن يعلم بالتفاصيل ، وعلى ضوء التحقيق ونتيجة له جرى الآتى:
1ءعن علي صبري دفع كل ما يستحق من الرسوم الجمركية على الأمتعة التى دخلت، حتى ما كان منها لا يخصه شخصيا ( اتضح خلال التحقيق مع علي صبري بعد أحداث 15 مايو انه أرسل شيكا بمبلغ 1300 جنيه إلى وزير الخزانة وهو المبلغ الذى قدره عبد الناصر).
2ء رغم عدم مسئولية علي صبري شخصيا عما حدث فقد وضع تحت تصرف الرئيس استقالته من جميع مناصبه، ثم استقر الرأى فى النهاية على أن يترك على صبرى أمانة لجنة التنظيم فى الإتحاد الإشتراكي مع استمرار عضويته فى اللجنة التنفيذية العليا، وانتداب السيد شعراوي جمعة لأمانة لجنة التنظيم حتى تجتمع اللجنة المركزية" انتهى بيان الأهرام .
وهكذا نجحت الجماعة فى استغلال حادث المطار لتنحية علي صبري عن منصبه الخطير فى الإتحاد الاشتراكي، وتم انتداب شعراوي جمعة مكانه كأمين عام للتنظيم فى بادىء الأمر. حتى تم انتخابه فى هذا المنصب بعد ذلك بأغلبية ساحقة فى اللجنة المركزية، وهكذا دانت أمانة التنظيم بالإتحاد الاشتراكي وأمانة التنظيم الطليعى لشعراوي جمعة دون أى منازع وأصبح أقوى شخصية فى التنظيم الشعبى.
عقب نجاح الجماعة الثلاثية فى تنحية علي صبري عن منصبه الكبير فى الإتحاد الاشتراكي كأمين للتنظيم، وفى انتخاب شعراوي جمعة بعد ذلك مكانه بأغلبية ساحقة فى اللجنة المركزية لم تلبث المقادير أن ساعدت الجماعة على الانفراد بشئون الحكم فى مصر انفرادا كاد أ يكون كاملا لسبب لا دخل لها به، إذ إن عبد الناصر أصيب بأزمة قلبية حادة يوم 10 سبتمبر 69 نتيجة للصدمة العنيفة التى انتابته على أثر وقوع الإغارة الإسرائيلية البرمائية فجر يوم 9 سبتمبر على الزعفرانة التى تقع على خليج السويس على بعد مائة كيلو متر من مدينة السويس ، مما أدى إلى إحالة اللواء أحمد إسماعيل رئيس أركان حرب القوات المسلحة إلى التقاعد.
وإزاء شدة مرض عبد الناصر استدعى خصيصا من موسكو طبيب القلب الشهير تشازوف، وبعد فحص حالته أوصى بأن يلتزم عبد الناصر الراحة التامة، لأن النوبة القلبية التى إصابته من نوع فتاك وتؤدى إلى وفاة الشخص الذى يصاب بها، عند تعرضه لأى إجهاد بدنى او نفسى، وبالفعل لم يعمر بعدها عبد الناصر سوى عام واحد فقط، ونتيجة لتوصية الأطباء زادت بصورة طبيعية صلاحيات الجماعة الحاكمة، وأصبحت من الناحية الواقعية تمارس صلاحيات الرئيس نفسه، دون الرجوع إليه حفاظا على صحته، ونظرا لوجود ختم عبد الناصر لدى سامي شرف، فقد أصبح أمرا عاديا صدور قرارات جمهورية مهورة بتوقيع الرئيس، دون أن يدرى عبد الناصر عن معظمها شيئا.
وإزاء تلك الصلاحيات الخطيرة حظيت الجماعة مكانة عالية جعلت أكبر المسئولين فى الدولة فى المجالين التنفيذى والشعبى يتسابقون فى سبيل اكتساب مودتها ونيل ثقتها، وهكذا بدأت الحلقة الأساسية تتسع لضم إليها حلقات فرعية، وهذه الحلقات الفرعية استطاعت أن تستقطب حولها حلقات صغيرة من الأجهزة التنفيذية والشعبية، حتى أصبحت الجماعة الحاكمة قوة ضخمة يدور فى فلكها عشرات، بل مئات من أهم الشخصيات فى الدولة ، ونتيجة لإحساس عبد الناصر بخطورة مرضه بادر فجأة بتعيين السادات نائبا له فى 20 ديسمبر 69 قبل سفره مباشرة إلى مؤتمر القمة العربى بالرباط..
وتنفيذا لتعليمات عبد الناصر كان السادات يحضر أحيانا اجتماعات الجماعة الثلاثية التى كانت تنعقد كل مساء فى مكتب سامي شرف بعد الانتهاء من العمل اليومى لتصريف أمور الدولة، ،:أ،ـ هذه الاجتماعات تنعقد أحيانا بمكتب السادات الذى انتقل إليه بقصر الأمير السابق عبدالمنعم بسراي القبة ورغم تعيين السادات نائبا للرئيس استمر اتصال عبد الناصر المباشر بالجماعة الثلاثية وظلت هذه الجماعة مسئولة أمامه عن الأمن والنظام وجميع الشئون الداخلية والخارجية فى البلاد...
وكان الكثيرون قد ساورهم الاعتقاد بأن علي صبري بعد حادث المطار سوف يختفى إلى الأبد من المسرح السياسى، كما اختفى من قبله الكثيرون من المقربين لعبد الناصر بعد أن اضطره الحادث إلى الانزواء قرابة ستة أشهر، ولكنه بمقدرته العجيبة بدأ يظهر مرة أخرى..
إن مشكلة علي صبري كانت دائما أن طموحه لا حدود له وأنه دائما لا يقنع بالمنصب الذى يتولاه ، لقد كانت تنقصه الشعبية، ولكنه كان يستعيض عن ذلك بتشغيل مواهبه الأخرى، وأهمها براعته الفائقة فى التخطيط والتنظيم ومقدرته الكبيرة على إقناع مستمعيه بآرائه وأفكاره. لقد مرت عليه فترات مشرفة، كما اجتاز أزمات عصيبة، كان أحيانا يضىء كالشهاب اللامع فى سماء السياسة المصرية، وأحيانا أخرى كان يختفى تماما من على المسرح، ولكنه كان دائما يعرف كيف يعود ويبزغ نجمه من جديد، ولذا ففى 17 أبريل 70 أى بعد حادث المطار بنحو تسعة أشهر فقط أوفده عبد الناصر إلى موسكو لتمثيل مصر فى الاحتفال بالعيد المئوى لميلاد لينين، ورغم أن محمود عوض القونى وزير السياحة وقتئذ كان برفقته فإن الرئيس السوفيتى بريجينيف حرص على لقاء علي صبري وحده حينما قابله ليتلقى منه رسالة عبد الناصر.
وفى 29 يونيو 70 كان علي صبري هو ابرز أعضاء الوفد الموافق لعبد الناصر فى زيارته الأخير لموسكو التى استغرقت حوالى 18 يوما، وكان قد سبق للرئيس قبل هذه الزيارة تعيينه مساعدا لرئيس الجمهورية لشئون الدفاع الجوى والقوات الجوية، ومنحه رتبة فريق شرف، وبدأ علي صبري يرتدى زى الفريق فى القوات الجوية الذى كان يستهويه كثيرا، وأعلن عبد الناصر فى المؤتمر القومى الذى انعقد فى 23 يوليو 70 أن علي صبري سيسافر كل ثلاثة أشهر إلى موسكو للإجتماع بالقادة السوفيت، والإشراف على برامج تزويد مصر بالأسلحة والمعدات، وهكذا عاد اسم علي صبري إلى اللمعان ثانية، ورسخت أقدامه على المسرح بشكل قوى، وعاد الناس يتحدثون عنه من جديد على أنه رجل موسكو رقم 1 فى مصر ...
وفى 28 سبتمبر 70 توفى عبد الناصر، وكان لهذا النبأ وقع الصاعقة على أفراد الجماعة الحاكمة وأصيبوا بانهيار بسببه.
وقد ذكر شعراوي جمعة أنه ومجموعته فكروا فى ترك الحكم، وأنهم صارحوا بذلك محمد حسنين هيكل وزير الإعلام وقتئذ أثناء اجتماع لهم فى مكتب سامي شرف استمر منعقدا فى سيارته، وحضره شعراوي وسامي وأمين هويدي وهيكل، وأن هيكل هو الذى أثناهم عن عزمهم على أساس أنهم أقدر الناس معرفة وأوثقهم صلة بعبد الناصر وبالخط الذى كان ينتهجه. غير أن هيكل يروى لنا هذه الواقعة فى كتابه " الطريق إلى رمضان" فى الصفحتين 108و109 من الطبعة الإنجليزية بطريقة أخرى، فقد ذكر أنه بعد انتهاء الاجتماع الذى عقد فى السادسة مساء يوم 30 سبتمبر بمكتب الفريق أول محمد فوزي وحضره أعضاء مجلس الأمن القومى ، بناء على تعليمات السادات لاتخاذ قرار بشا، ما يتبع يوم 8 نوفمبر 70 عقب انتهاء فترة وقف إطلاق النار بين مصر و إسرائيل ، بناء على مبادرة روجرز طلب شعراوي جمعة من هيكل أن يصحبهم إلى مكان يستطعون فيه الحديث هم الأربعة( شعراوي وسامي وأمين هويدي و هيكل).
وذكر هيكل أنهم استقلوا سيارة شعراوي المرسيدس السوداء الحكومية، وجلس شعراوي فى الأمام بجوار السائق وجلس الثلاثة الباقون فى الخلف، وكانت معظم الطرق مغلقة بسبب حشود الجماهير التى كانت تتدفق العاصمة من جميع الاتجاهات استعدادا لتشييع جنازة عبد الناصر يوم أول أكتوبر. وعندما وصلت السيارة أمام مركز تدريب الشرطة فى طريق صلاح سالم أوقف شعراوي السيارة واستدار للخلف من مقعده الأمامى وقال :" هؤلاء الثلاثة: السادات وحسين الشافعي وعلي صبري الذين يقيمون فى مصر القبة ويتصرفون كما لو كانوا الثالوث:
كوسيجين بودجورنى بريجنيف، بينما نحن الناصريين الحقيقيين وأقرب الناس إلى عبد الناصر لم نفعل شيئا بعد لنقرر طريق العمل المشترك الذى سنسلكه، وهذا ما دفعنى إلى التفكير فى ضرورة مناقشتنا للموقف معا" وذكر هيكل أن صراحة شعراوي كانت تتطلب منه صراحة مماثلة ولذا رد عليه قائلا:" إذا كنتم تريدون التنسيق معا كوزراء فلا تفعلوا ذلك أمامى، فأنا قد عزمت ترك الوزارة، ولكن لدى نصيحة أوجهها لكم، وهى أنه من الخطأ أن تحاولوا القيام بدور الناصريين إذا فعلتم ذلك فلا مفر من حدوث رد فعل سوف يقود إلى صراع من أجل السلطة، إذا حدث تعارض فى الآراء فسوف ألعب دورى فيه بصفتى صحفيا، ولكن إذا جرى صراع على السلطة يرتكز على الأشخاص فلن أتدخل فيه، وسوف تعانى منه البلاد بأكملها".
ووصف هيكل فى روايته السابقة تصرفات سامي شرف العصبية خلال هذا الحديث، فقد ثار غاضبا فى البداية، وقال : لا، إما أن نبقى معا أو نذهب معا، وعندما انتهى هيكل من حديثه زاد انفعال سامى، وصرخ قائلا: ناصر لم يمت، وأخذ يجهش بالبكاء، ثم فى الصياح بأنه إما أن يبقى الكل أو يرحل الكل..وأنهى هيكل روايته بأن تصرفات سامي شرف جعلته يفقد أعصابه، فترك سيارة شعراوي واستقل سيارته التى كانت تسير خلفهم، وانطلق السائق بها عائدا إلى القاهرة، وذكر شعراوى أنه اجتمع بعد ذلك ب سامى شرف وبالفريق أول محمد فوزى ، وقرروا أن يستمروا فى الحكم، وأن يؤيدوا السادات وأخطروا بذلك باقى مجموعتهم وهم سعد زايد وزير الإسكان، وحلمي السعيد وزير الكهرباء، ومحمد فائق وزير الإعلام، وكان التفكير الجماعة قد انتهى إلى ترشيح السادات لرئاسة الجمهورية.
خاصة بعد أن أقلقها ظهور زكريا محيي الدين المفاجىء فقد صدر له نعى للرئيس الراحل عبد الناصر فى الأهرام داخل إطار لافت للأنظار. كما تركزت عليه عدسات التليفزيون فترة طويلة خلال الجنازة وأثناء مراسم الدفن، وقد أدى ذلك الأمر إلى استدعاء محمد حسنين هيكل وزير الإعلام وقتئذ أمام اللجنة التنفيذية العليا وسؤاله عن سر ذلك التركيز على زكريا محيي الدين، فأنكر أن يكون له أدنى علاقة بالموضوع، وأعلن تأييده لترشيح السادات، ولم يكن أحد فى الجماعة بالطبع يرحب بترشيح زكريا محيي الدين، فقد كانت شخصيته القوية تجعل من المعتذر السيطرة عليه، على عكس السادات الذى غررت بهم شخصيته المستكينة المسالمة طوال عهد عبد الناصر، فاعتقدوا أن فى إمكانهم توجيه بسهولة وأنه سوف يقنع ببريق المنصب وأبهة الرئاسة، بينما يظلون هم على نفس الحال التى كانوا عليها فى أواخر عهد عبد الناصر، من حيث السيطرة الكاملة والإمساك التام بزمام الأمور.
وعقب إتمام الإجراأت الدستورية وتولى السادات رئاسة الجمهورية فى 16 أكتوبر 70 أصدر السادات قرارا بتعيين نائبين هما حسين الشافعي وعلي صبري وتعيين عبدالمحسن أبوالنور أمينا عاما للإتحاد الإشتراكى، وكلف الدكتور محمود فوزي بتشكيل وزارة جديدة، وفى التعديل الذى أجراه محمود فوزى فى وزارته أصبح شعراوي جمعة نائبا لرئيس الوزراء للخدمات ووزيرا للداخلية بينما ظل الفريق أول محمد فوزي وسامي شرف على نفس وضعهما القديم ولكن ذلك التعديل الوزارى ادى إلى خروج أمين هويدي من الحكم، وكان واحدا من أقرب المقربين ل عبد الناصر، وكان يشترك كثيرا فى حضور اجتماعات الجماعة الثلاثية فى مكتب سامى شرف باعتباره موضع ثقة الرئيس وقد ذكر شعرواي جمعة فى التحقيق أمام المدعي الاشتراكي قصة خروج أمين هويدي من الوزارة، فقال ما يلى:
" كان أمين هويدي أحد أفراد المجموعة الذين يعتمد عليهم عبد الناصر أنا وسامى وهو، وكان أيضا من المركز عليهم باعتبارنا مراكز قوى سواء فى الداخل أو فى الخارج، واستمر يعمل معنا حتى الوفاة الرئيس، وبقى أيضا وزيرا فى وزارة محمود فوزي الأولى، وفى التعديل الذى أجرى فيها عرضت عليه وزارة الإدارة المحلية، وقابل الرئيس السادات، ولم يقتنع بهذه الوزارة، وفى تصورى أنه اكتشف أن فى التشكيل نواب رئيس وزارة وكان يتوقع إنه يبقى على الأقل نائب رئيس وزراء،أعتقد أنه لو كان قد عاد للإشراف على المخابرات العامة، فإن ذلك كان سيرضيه حيث أنه غير فجأة فى أبريل 71 وحل مكانه حافظ إسماعيل.
وكانت الفرصة سانحة لعودته بعد تعيين حافظ إسماعيل وزيرا لشئون مجلس الوزراء فى التعديل الوزارى الذى تم ، ولما صدر التشكيل الوزاري ولم يشمل أمين هويدى بالمرارة منى ومن سامي أكثر من إحساسه بها من جهة السادات، ويجوز أنه كان متصورا أننا نقف إلى جانبه بحكم تزاملنا نحن الثلاثة فى الععنوان وصلةمل، وأذكر أنى بعثت له جواب ترضيه، ورحت أنا وسامى وزرناه واستمرت الاتصالات بيننا على فترات متقطعة" وبادرت الجماعة بتعيين احمد كامل الذى بدأت نشأته السياسية فى مكتب سامي شرف، ثم عمل بعد ذلك مع شعراوى، ومن خلال أحمد كامل أصبح جهاز المخابرات العامة ذو المهام الخطيرة فى الدولة لا يعدو أن يكون جهازا فرعيا ملحقا بمكتب سامي شرف يتلقى منه الأوامر والتوجيهات.
وكان السادات منذ تولى رئاسة الجمهورية قد أسفر عن شخصيته اختلفت فى جوهرها تماما عن كل ما كان يتوقعه الذين عاونوه فى الوصول إلى كرسى الحكم، والذين بنوا أمالهم على أوهام خدعوا بها أنفسهم وهى أن السادات سوف يقنع بأن يكون الواجهة التى يحكمون البلاد من خلالها.
فلقد برهن بعد فترة من توليه الحكم أن شخصيته من القوة بحيث لا يقبل أن يشاركه أحد فى إدارة دفة السياسة، والحكم، وأن استكانته القديمة طوال عهد عبد الناصر لم تكن إلا قناعا لإخفاء حقيقة شخصيته القوية وطموحة البعيد، وكان مضطرا إلى اتباع ذلك المسلك خشية أن يناله من عبد الناصر ما نال زملاءه من أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين طوح بهم عبد الناصر خارج السلطة واحدا وراء الآخر.
ورغم ما أعلنه السادات فى الاجتماع الأول للجنة التنفيذية العليا فى أوائل نوفمبر 70 فى أعقاب توليه رئاسة الجمهورية من أنه لا يستطع الحكم بمفرده وأنه سوف يتبع فى حكمه أسلوب القيادة الجماعية، وأن اللجنة التنفيذية العليا هى القيادة السياسية ل مصر ، ومن أجل ذلك فسوف تدعى للاجتماع بانتظام مرة كل أسبوعين للنظر فى جميع الأمور التى تهم البلاد، فإن التجربة العملية أثبتت أن السادات لم يكن يعنى ما يقول، وأن أسلوب القيادة الجماعية غير وارد مطلقا فى تفكيره أو مخططاته، فإن اللجنة التنفيذية العليا لم تنعقد منذ انعقادها ألأول رغم مرور حوالى ستة أشهر، وبات واضحا من تصرفات السادات انه لا يطيق أن يعارضه أحد فى رأيه، وأنه ينزلق تدريجيا إلى مخاطر الحكم الانفرادى المطلق، الذى كان هو أول المنتقدين ل عبد الناصر بعد وفاته بسبب انتهاجه لهذا الأسلوب الدكتاتورى خلال حكمه، ولم يكن هناك مفر من وقوع الصدام وحدوث الصراع المرير على السلطة بين السادات الذى أخذ يماس حقوقه وسلطاته كرئيس للجمهورية، وبين أفراد الجماعة الثلاثية ( شعراوى وسامى وفوزى) الذين تعودا لسنوات عديدة أن يكون زمام الأمور بين أيديهم وعلى أن يتولوا بأنفسهم رسم السياسة الداخلية والخارجية للدولة ورغم تعدد مواضع الخلاف وتباين مجالات النزاع بين الطرفين فإن الخلاف الأساسى كان منحصرا وقتئذ فى موضوعين رئيسيين:
1ء داخليا فى الوقت الذى كانت فيه سياسة الجماعة تقوم على أساس بقاء الأوضاع الداخلية على ما هى عليه سواء فى الحكومة أو فى الجهاز الشعبى ومقاومة أى آراء تنادى بالتغيير فى هذه الآونة، بحجة ضرورة توحيد الجهود وعدم الانشغال عن المعركة القادمة مع العدو لتحرير الأرضـ كان تفكير السادات متجها إلى حل الإتحاد الاشتراكي بحجة وجود كثير من العناصر السيئة ضمن صفوفه، وإعادة الانتخابات من القاعدة إلى القمة لا يجاد لجنتين جديدتين لجنة تنفيذية عليا، ولجنة مركزية تستبعد منهما العناصر غير المرغوب فيها، وبعد إتمام انتخابات الإتحاد الاشتراكي يتم تغيير شامل للوزارة بإدخال وجوه وعناصر جديدة بها.
وكان خصوم الجماعة يتهمون أفرادها بأنهم يقاومون التغيير ضمانا لاحتفاظهم بسلطاتهم ومناصبهم القيادية الخطيرة، وخشيتهم من أن تسفر الانتخابات القادمة عن فشل أعوانهم فى الوصول إلى المناصب الهامة التى كانوا يتولونها وقتئذ فى الإتحاد الاشتراكي و التنظيم الطليعي.
2ء خارجيا كان أفراد الجماعة يؤمنون بضرورة استمرار السياسة التى رسمها عبد الناصر، وهى الاعتماد التام على الإتحاد السوفيتي الذى هو المورد الوحيد ل مصر للسلاح، حتى يتم للقوات المسلحة خوض غمار المعركة ضد إسرائيل لتحرير الأرض المحتلة، وأنه ليس فى الإمكان الثقة بأمريكا بسبب انحيازها التام ل إسرائيل .
ولكن السادات كان يرى أنه من الخطأ الاستمرار فى معاداة أمريكا والاكتفاء بالسير فى الفلك السوفيتى، فقد أثبت الإتحاد السوفيتي عجزه عن حل القضية سليما أو فرض تدخله لحلها عسكريا، ولقد وضح بجلاء أن سياسته فى تسليح مصر منذ هزيمة يونيو 67 قائمة على تحقيق قدرتها الدفاعية فقط، مما يعنى عدم إمكان مصر القيام بهجوم ضد إسرائيل ، ولذا كان يرى أنه لابد من إجراء الاتصالات مع أمريكا التى نملك فى اعتقاده 99% من أوراق اللعب، والتى فى إمكانها الضغط على إسرائيل من أجل حل القضية سليما.
وكان علي صبري باعتباره نائبا لرئيس الجمهورية وعضوا باللجنة التنفيذية العليا قد انتابه شعور بالإحباط بع أن رأى نفسه رغم بريق ثائرته أسلوب السادات الانفرادى فى اتخاذ القرارات دون مشاورة أحد، كما جرى يوم 4 فبراير 71 حينما أعلن أمام مجلس الأمة فجأة مبادرته للسلام المتعلقة بإعادة فتح القناة للملاحة الدولية، فى المقابل انسحاب إسرائيل إلى منطقة المضايق، ونظرا لأن السياسة التى كان يؤمن بها علي صبري من الوجهتين الداخلية والخارجية كانت تتفق تماما مع السياسة التى كانت تعتنقها جماعة شعراوي وسامى وفوزى هم وأعوانهم العديدين الذين كانوا يدورون فى فلكهم وقتئذ فى المجالين التنفيذى والشعبى – فقد تواءمت أهداف الطرفين، وبدا التعاون الوثيق بينهما بقصد الوقوف فى وجه السادات ، وإجباره إذا لزم الأمر على التنحى عن الحكم.
وحاول على صبرى إثارة مشاعر الجماعة ضد السادات كى يستقطب أفرادها إلى جانبه فكان يستفزهم بقوله: إنهم إذا لم يقفوا فى وجه السادات فسوف يطيح فى البلد كلها، وسوف يضربهم فى المستقبل بالأحذية، وسوف ينفرد بالرأى ويصبح دكتاتورا ولن يقدر أحد عليه . ووجدت الجماعة من على صبرى رغم شخصيته غير المحبوبة معارضا عنيدا شديد المراس، يمكنها أن تتستر خلفه لإيقاف السادات عند حده.
وكان علي صبري بحكم المناصب الكبيرة التى تولاها لايهاب السادات، فلم يكن يحترمه كالآخرين، وعندما كان يتحدث أمام أعضاء اللجنة المركزية يوم 25 أبريل 71 معارضا مشروع الاتحاد مع ليبيا وسوريا كان يوجه الحديث إلى رئيس الجمهورية بقوله" أنت يا سادات" وقد اتضح من شرائط التسجيل التى ضبطت ب المخابرات العامة بعد أحداث 15 [مايو] أن علي صبري اعتاد أن يوجه أشد أنواع الشتائم وعبارات السباب الجارحة إلى الرئيس خلال محادثاته التليفونية مع أعضاء الجماعة. وكان هؤلاء يعتقدون أنه باعتباره رجل موسكو رقم 1 فى مصر فإنه غير قابل للعزل، ولن يجرؤ السادات على مسه بسوء، ومما يؤيد ذلك أن شعراوي جمعة قال لعلي صبري خلال محادثة تليفونية جرت بينهما يوم 25 أبريل 71 عقب اجتماع اللجنة المركزية " السادات لن يجرؤ أن يمسك بشىء وإلا يبقى حرق الدنيا"
وكان مخطط الجماعة يقوم على الإستفادة من كراهية علي صبري للسادات ومن نقمته الشديدة عليه، لتحريض علي صبري على مهاجمة السادات بطريقة عنيفة خلال اجتماعات اللجنة التنفيذية العليا واللجمة المركزية، ومما يؤدى إلى إحراج مركزه أمام الرأى العام فى مصر، فى الوقت الذى يقومون فيه بزعزعة ثقة السوفيت فيه، وتشويه صورته أمامهم بإبلاغ القادة السوفيت فى موسكو عن طريق سفيرهم فى مصر فلا ديمير فينو جرادوف بأن السادات قد انحرف عن الخط الناصرى وعن الإشتراكية، وأنه قد باع البلد للأمريكان، وقد علق السادات على ذلك فى كتابه البحث عن الذات بقوله: إنه من المؤلم أن السوفيت قد صدقوا هذا الكلام.
وكانت القضية الكبرى التى أثارت الأزمة وفجرت الصراع بين الطرفين هى قضية الاتحاد العربى الثلاثى بين مصر و سوريا وليبيا، ففى خلال اجتماع اللجنة التنفيذية العليا يوم الأربعاء 21 أبريل 71 بإستراحة آلرئيس يالقناطر الخيرية شن على صبرى هجوما عنيفا على السادات من حيث الأسلوب الذى يتبعه فى عدم استشارة أحد،
ومن حيث الموضوع لعدم موافقته على اشتراك مصر فى هذا الإتحاد. ونتيجة للإحتكام إلى أعضاء اللجنة خسر السادات الجولة غذ كانت نتيجة التصويت 4 ضد 3 لصالح علي صبري، مما دفع [السادات] إلى إحالة الأمر إلى اللجنة المركزية التى تقرر أن تعقد اجتماعها يوم 25 أبريل 71 .
ورغم أن الاتفاق كان قد تم مع علي صبري أن يلتزم الصمت ولا يتدخل بتاتا فى المناقشات حتى يبدو أن الاقتراح الذى سيطرح بشأن تأجيل اتخاذ القرار نابع من داخل اللجنة المركزية نفسها – فإن شعراوي جمعة وسامي شرف تمكنا من إثارة [علي صبري] بطريقة غير مباشرة، فقد نقلا نبأ اعتزام ل علي صبري قبل اجتماع اللجنة المركزية مباشرة، وقال : له " خش جامد من الأول بلا تأجيل بلا غيرة" مما أثار ثائرة علي صبري، وجعله يغير خطته من التزام الصمت إلى المبادرة بالهجوم ، وإثارة اللجنة المركزية ضد السادات ، وكان نبأ اعتزام السادات إقالة علي صبري قد تسرب إلى سامي شرف وشعراوي جمعة بوسيلة خاصة من السفارة السوفيتية، كما تأكد النبأ لدى سامي شرف من أحمد كامل رئيس المخابرات العامة الذى أبلغه له بحكم وظيفته.
وقد ذكر أحمد كامل حلال التحقيق معه بعد أحداث 15 مايو 71 أن شعراوى وسامى كانا من المكر والدهاء بحيث أثارا على صبرى بطريق غير مباشر، وهو توسيط عبد المحسن أبو النور لنقل النبأ إليه، ولما استفسر منهما علي صبري بعد اجتماع اللجنة المركزية عن حقيقة الأمر نفيا له علمهما بأى شىء عن ذلك،
ووعداه بأنهما سيبحثان الموضوع، وقد علق أحمد كامل على ذلك فى التحقيق بأن سامي شرف وشعراوي جمعة كانا يتبعان أساليب ماكرة وغير واضحة فى سبيل الوصول إلى غرضهما وطبقا ذلك حتى فى صرتهما الشخصية – وفى علمهما، وقد نفيا لعلي صبري بشىء مما نقله له عبد المحسن أبو النور بشأن اعتزام السادات إقالته فى حين إنهما يعلمان تماما أن الخبر صحيح لأن أحمد كامل كما ذكر، كان أول من نقله لهما بحكم عمله كرئيس للمخابرات العامة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

ساهم بنشر الموقع و لك جزيل الشكر