اشترك في النشرة الإخبارية لاستقبال المقالات الجديدة

الجمعة، 18 أكتوبر، 2013

قصة الجاسوس المصري (رأفت الهجان)


بدأت الصحافة الإسرائيلية ومنذ عام1988 م تحاول التوصل إلى حقيقة الهجان أو بيتون أو الجمال فقامت صحيفة الجيروزليم بوست الإسرائيلية بنشر خبر تؤكد فيه أن جاك بيتون أو رفعت الجمال يهوديمصري من مواليد المنصورة عام 1919 وصل إلى إسرائيل عام 1955 وغادرها للمرة الأخيرة عام 1973. واستطاع أن ينشئ علاقات صداقة مع عديد من القيادات في إسرائيل، منها جولدا مائير رئيسة الوزراء السابقة، وموشي ديان وزير الدفاع. وبعد سنوات قام صحفيان إسرائيليان وهما ايتان هابر ويوسي ملمن بإصدار كتاب بعنوان "الجواسيس" وفيه قالوا أن العديد من التفاصيل التي نشرت في مصر عن شخصية الهجان صحيحة ودقيقة لكن ما ينقصها هو الحديث عن الجانب الآخر في شخصيته، ألا وهو خدمته لإسرائيل حيث أن الهجان أو بيتون ما كان إلا جاسوسا خدم مصر حسب رأي الكاتبين.
وكان اسم (رأفت الهجان) هو الاسم المعلن البديل للمواطن المصري المسلم (رفعت على سليمان الجمال) ابن دمياط والذي ارتحل إلى إسرائيل بتكليف من المخابرات المصرية عام 1954 حاملا روحه على كفة.
وحقق الجمال نجاحات باهرة وبه استطاعت المخابرات المصرية أن تثبت عمليا كذب أسطورة التألق التي تدعيها إسرائيل لجهاز مخابراتها.
وفور إعلان القاهرة لهذه العملية المذهلة طالبت الصحفية الإسرائيلية "سمادر بيرى" - في موضوع نشرته بجريدة يدعوت احرونوت الإسرائيلية - آيسر هريتيل مدير المخابرات الإسرائيلية في هذا الوقت أن ينفى ما أعلنته المخابرات المصرية وأكدت لمدير المخابرات الإسرائيلية أن هذه المعلومات التي أعلنتها القاهرة تثبت تفوق المخابرات العربية المصرية في أشهر عملية تجسس داخل إسرائيل ولمدة تقرب من العشرين عاما.
واستهدفت الصحفية من نشر هذا الموضوع عرض الحقيقة كاملة ، حقيقة ذلك الرجل الذي عاش بينهم وزود بلاده بمعلومات خطيرة منها موعد حرب يونيو 1967 وكان له دور فعال للغاية في الإعداد لحرب أكتوبر 1973 بعد أن زود مصر بأدق التفاصيل عن خط بارليف ، كما انه كون إمبراطورية سياحية داخل إسرائيل ولم يكشف احد أمره .
وجاء الرد الرسمي من جانب المخابرات الإسرائيلية : أن هذه المعلومات التي أعلنت عنها المخابرات المصرية ما هي إلا نسج خيال ورواية بالغة التعقيد .. وان على المصريين أن يفخروا بنجاحهم!.

وبينما يلهث الكل وراء اي معلومة للتأكد من الحقيقة عن هذا المجهول المقيد في السجلات الإسرائيلية باسم "جاك بيتون" بصفته إسرائيلي ويهودي ، نشرت صحيفة "الجيروزاليم بوست" الإسرائيلية موضوعا موسعا بعد أن وصلت إلى الدكتور "ايميرى فريد" شريك الجمال في شركته السياحية "سي تورز" وبعد أن عرضوا علية صورة الجمال التي نشرتها القاهرة شعر بالذهول وأكد أنها لشريكة "جاك بيتون" الذي شاركه لمدة سبع سنوات وانه كان بجواره مع جمع كبير من صفوة المجتمع الإسرائيلي عندما رشح لعضوية الكنيست الإسرائيلي ممثلا لحزب "مباى" الإسرائيلي "حزب عمال الأرض" ولكنه لم يرغب في ذلك.
وفور أن فجرت صحيفة "الجيروزاليم بوست" حقيقة الجاسوس المصري وانه شخصية حقيقية وليست من نسج خيال المصريين كما ادعى مدير الموساد حصلت الصحيفة أيضا على بيانات رسمية من السجلات الإسرائيلية مفادها أن "جاك بيتون" يهودي مصري من مواليد المنصورة عام 1919 وصل إلى إسرائيل عام 1955 وغادرها للمرة الأخيرة عام 1973 .
وأضافت الصحيفة بعد التحري أن "جاك بيتون" أو "رفعت الجمال" رجل الأعمال الإسرائيلي استطاع أن ينشئ علاقات صداقه مع عديد من القيادات في إسرائيل منها "غولدا مائير" رئيسة الوزراء ، و"موشى ديان" وزير الدفاع .
وخلصت الصحيفة إلى حقيقة ليس بها أدنى شك :
"جاك بيتون" ما هو إلا رجل مصري مسلم دفعت به المخابرات المصرية إلى إسرائيل واسمه الحقيقي "رفعت على سليمان الجمال" من أبناء مدينة دمياط بمصر.
وفور هذه المعلومات الدقيقة التقطت الصحف العالمية أطراف الخيط فقالت صحيفة "الاوبزرفر" البريطانية الواسعة الانتشار : أن "الجمال" عبقرية مصرية استطاع أن يحقق أهداف بلاده .. ونجح في أن يعود إلى وطنه سالما ويموت طبيعيا على فراشه.


رفعت الجمال


ولد رفعت الجمال في الأول من يوليو 1927 بمدينة طنطا وكان الابن الأصغر للحاج على سليمان الجمال تاجر الفحم وكان له اخوين أشقاء هما لبيب ونزيهه إضافة إلى أخ غير شقيق هو سامي، وكان والده يحمل لقب (أفندي) أما والدته فكانت من أسرة عريقة وكانت تتحدث الإنجليزية والفرنسية.
لم ينعم "رفعت" بوالده طويلا إذ توفى والده وهو بعد في التاسعة من عمره عام 1936 وكانت شقيقته نزيهه في الحادية عشر ولبيب في الثالثة عشر، أما سامي فكان في الثالثة والعشرين، ولم يكن لهم أي مصدر للرزق فاتفق الأعمام والعمات على حل كان منطقيا في هذه الظروف وهو أن يلتحق الصبيين (رفعت ولبيب) بورشة للنجارة حيث كانت مدينة دمياط منذ القدم وحتى الآن مشهورة بصناعة الأخشاب إلا أن الشقيق الأكبر سامى رفض الفكرة من أساسها واقترح أن ينتقل الأولاد الثلاثة وأمهم معه إلى القاهرة ليتعلموا في مدارسها ويكفل لهم راتبه المتواضع حياه كريمة، وكان سامي مدرسا للغة الإنجليزية وكان مسئولا عن تعليم أخوة الملكة فريدة اللغة الإنجليزية.

وفى القاهرة التحقت نزيهة بمدرسة ثانوية للبنات والتحق لبيب بمدرسة تجارية متوسطة، أما رفعت فالتحق بمدرسة ابتدائية وبعد إتمامه لها التحق أيضا بمدرسة تجارية وكان وقتها يتقن التحدث باللغتين الانجليزية والفرنسية ، وبرغم محاولات سامى أن يخلق من رفعت رجلا منضبطا ومستقيما إلا أن رفعت كان على النقيض من اخية سامى فقد كان يهوى اللهو والمسرح والسينما بل انه استطاع أن يقنع الممثل الكبير بشارة وكيم بموهبته ومثل معه بالفعل في ثلاثة أفلام.

وفي عام 1943 تزوجت نزيهة من الملازم أول احمد شفيق في حين سافرت أمه إلى دكرنس للإقامة مع أخوها ليجد رفعت نفسه محروما فجأة من أمه وأخته التي كان يحبها كثيرا، ووجد نفسه فجأة مطالبا بتحمل أعباء نفسه ومن ثم وعلى سبيل الاحتجاج رسب عمدا في امتحان العام الدراسي الثالث بمدرسته التجارية وفي هذا الوقت تزوج شقيقه سامي من ابنه محرم فهيم نقيب المحامين في ذلك الوقت، في حين انشغل لبيب بعمله، ولما كان هناك ملاحق للراسبين في الامتحان النهائي ومع ثورة الجميع على رفعت ومطالبته بالنجاح في الملاحق إلا انه كان مصرا .. ورسب للمرة الثانية.
وفي العام التالي نجح رفعت في الامتحان ولم يعد أمامه إلا عام واحد على التخرج وبالفعل تخرج في عام 1946 في الوقت الذي كان فيه قد انضم إلى عالم السينما.
إلا انه أحس أن الوقت قد حان لكي ينتقل لمجال آخر، وربما كان يريد وقتها الهروب من (بيتي) تلك الراقصة التي تعرف عليها، فتقدم بطلب لشركة بترول أجنبية تعمل بالبحر الأحمر للعمل كمحاسب واختارته الشركة برغم العدد الكبير للمتقدمين ربما نظرا لإتقانه الإنجليزية والفرنسية، وانتقل بالفعل إلى رأس غارب حيث بقى لمده خمسة عشر شهرا تعلم خلالها كل ما أمكنه عن إعمال البترول وأقام علاقات متعددة مع مهندسين أجانب، وفي هذه الأثناء توفيت والدته بدكرنس.

وفي عام 1947 قرر رئيسه نقله إلى المركز الرئيسي بالقاهرة ولما كان لا يرغب في العودة إلى القاهرة آنذاك إذ انه لن يستطيع أن يكون قريبا من أخته نزيهة وأبناءها وفي الوقت نفسه لا يستطيع رؤيتها مع سوء علاقته بزوجها فقد رفض الترقية.
وانتقل إلى الإسكندرية للعمل في شركة كيماويات كان رئيسها قد فاتحه أكثر من مرة للعمل لديه، وسر منه صاحب الشركة كثيرا نظرا لاجتهاده وكان يعامله كابن له وهو الشئ الذي كان يفتقده رفعت كثيرا.
وفي عام 1949 طلب منه صاحب الشركة السفر إلى القاهرة لأنه غير مطمئن للمدير هناك وطلب منه مراجعه أعماله.
وسافر رفعت إلى القاهرة وراجع أعمال مدير الفرع فلم يجد ما يثير الريبة وتسلم منه الخزانة وراجع ما فيها دون أن يدري انه يمتلك مفتاحا ثانيا لها، وفي اليوم التالي اكتشف ضياع ألف جنيه من الخزانة وأصبح هو من الناحية الرسمية المسئول عن ضياع المبلغ، واتصل مدير الفرع برئيس الشركة بالإسكندرية وابلغه انه عثر على المبلغ في غرفته وهو ما لم يحدث، وعاد رفعت إلى الإسكندرية وقال له رئيسه انه يصدقه لكنه لا يستطيع الإبقاء عليه في وظيفته تجنبا لإجراء أي تحقيقات رسمية لكنه أيضا رتب له عمل آخر مع صديق له يدير شركة ملاحه بحرية .. ولم يكن أمام رفعت خيار آخر.
رفعت الجمال
وبدأ رفعت العمل كمساعد لضابط الحسابات على سفينة الشحن "حورس"، وبعد أسبوعين من العمل غادر مصر لأول مرة في حياته على متن السفينة. وطافت "حورس" طويلا بين الموانئ؛ نابولي، جنوه، مرسيليا، برشلونة، جبل طارق، طنجة .. وفي النهاية رست السفينة في ميناء ليفربول الإنجليزي لعمل بعض الإصلاحات وكان مقررا أن تتجه بعد ذلك إلى بومباي الهندية.

ولما كان من المفترض أن تبقى السفينة لمدة ليست بالقصيرة في ليفربول فقد بدأ رفعت في استكشاف المكان وتولت الأقدار أمر تعارفه بـ "جودي موريس" وهي فتاة انجليزية ذكرته كثيرا ببيتي التي كان يعرفها في مصر، غير أن جودي كانت تختلف كثيرا فقد كان والدها شخصية نقابية هامة في انكلترا.
ولما أصبحت "حورس" جاهزة للرحيل تمسكت جودي برفعت وطالبته بالبقاء معها لبعض الوقت لكنه لم يكن مستعدا لخسارة وظيفته أو البقاء في انجلترا بطريقة غير مشروعة، غير أن جودي أوضحت له أن كثيرا من البحارة يضطرون إلى استئصال الزائدة الدودية وبذلك يتخلفون عن اللحاق بسفنهم وينتظرون إلى أن تعود مرة أخرى كما أن والدها يستطيع مساعدته في الحصول على تصريح إقامة ومن ثم أدعى رفعت الألم وأجرى عملية استئصال الزائدة الدودية وهو لا يشكو حقيقة منها بأي ألم!.

وعقب تماثله للشفاء التحق بالعمل لدى والد جودي في الميناء بعد أن رتب له الوالد تصريحا بالعمل.
وسارت الأمور طبيعية بعض الوقت إلى أن شعر رفعت أن الأمور تتطور في غير صالحه خاصة بعد أن تعلقت جودي به كثيرا وأعلنت صراحة رغبتها في الزواج منه، ولما كان قد أيقن أنها لا تصلح له كزوجه فقد أنتهز أول فرصة حينما عادت "حورس" إلى ليفربول ليودعها عائدا إلى حياة البحر.
وفي مارس 1950 عاد رفعت الجمال إلى مصر. عاد ليجد نفسه لم يتغير كثيرا فقد وجد نفسه كما رحل عنها؛ بلا أسرة أو عائلة. ولذلك لم يلبث أن رحل مرة أخرى على متن سفينة ترفع العلم الفرنسي. وبعد أربعة أيام من الإبحار وصلت السفينة إلى مرسيليا حيث واصل رفعت هوايته في استكشاف الأماكن، ومن مرسيليا أنتقل إلى العاصمة الفرنسية باريس حيث واجه خطر الترحيل لأنه لم يكن يمتلك تأشيرة إقامة.
ومن باريس أستقل رفعت القطار إلى العاصمة الإنجليزية لندن زاعما أنه مضطر لاستشارة الطبيب الذي أجرى له استئصال الزائدة الدودية وحصل بموجب ذلك على تأشيرة دخول لمدة أسبوعين ولم يكن من الممكن بالنسبة إليه أن يكون في انجلترا دون أن يعرج على ليفربول لرؤية جودي التي بكت من الفرحة حينما رأته متصورة أنه عاد من أجلها.
وهناك ساعده قس مسيحي، كان قد طلب منه في زيارته الأولى لليفربول أن يعلمه ما يعرفه عن الإسلام، في الحصول على وظيفة جيدة في وكالة سفريات تدعى "سلتيك تورز".
وأظهر رفعت كفاءة كبيرة في عمله الجديد ونجح في إقناع رئيسه في محاولة الحصول على موافقة السفارة المصرية بلندن على أن تتولى "سلتيك تورز" تنظيم سفر الدبلوماسيين المصريين والحاصلين على منح دراسية من وإلى انجلترا وأقتنع رئيسه ونجح رفعت في مهمته وعاد إلى الوكالة بعقد مربح بلغت عمولته عنه 2000 جنيه إسترليني وهو مبلغ رهيب بالنسبة لهذا الزمن.
وقبل أن تمر خمسة شهور على هذه الصفقة زادت أرباح وكالة السفريات وزادت مدخراته إلى 5000 جنيه إسترليني وضعها في بنك أمريكان اكسبريس مقابل شيكات سياحية بنفس القيمة.
وفكر رفعت في تكرار تجربته مع السفارة المصرية في نيويورك وأقنع رئيسه بالفكرة وسافر بالفعل على الفور إلى نيويورك. لكنه لم يكن يعلم أنه لن يعود مرة أخرى... .
وصية الهجان



وصيتى. أضعها أمانة فى أيديكم الكريمة السلام على من اتبع الهدى.

بسم الله الرحمن الرحيم

إنا لله وإنا إليه راجعون لقد سبق وتركت معكم ما يشبه وصية، وأرجو التكرم باعتبارها لاغية، وهأنذا أقدم لسيادتكم وصيتى بعد تعديلها إلى ما هو آت: فى حالة عدم عودتى حيا أرزق إلى أرض الوطن الحبيب مصر أى أن تكتشف حقيقة أمرى فى إسرائيل، وينتهى بى الأمر إلى المصير المحتوم الوحيد فى هذه الحال، وهو الإعدام، فإننى أرجو صرف المبالغ الآتية:

1. لأخى من أبى سالم على الهجان، القاطن.. برقم.. شارع الإمام على مبلغ.. جنيه. أعتقد أنه يساوى إن لم يكن يزيد على المبالغ التى صرفها على منذ وفاة المرحوم والدى عام 1935، وبذلك أصبح غير مدين له بشيء.

2. لأخى حبيب على الهجان، ومكتبه بشارع عماد الدين رقم...، مبلغ... كان يدعى أنى مدين له به، وليترحم على إن أراد .

3. مبلغ... لشقيقتى العزيزة شريفة حرم الصاغ محمد رفيق والمقيمة بشارع الفيوم رقم .. بمصر الجديدة بصفة هدية رمزية متواضعة منى لها، وأسألها الدعاء لى دائما بالرحمة.

4. المبلغ المتبقى من مستحقاتى يقسم كالآتى:

نصف المبلغ لطارق محمد رفيق نجل الصاغ محمد رفيق وشقيقتى شريفة، وليعلم أننى كنت أكن له محبة كبيرة.

النصف الثانى يصرف لملاجئ الأيتام بذلك أكون قد أبرأت ذمتى أمام الله، بعد أن بذلت كل ما فى وسعى لخدمة الوطن العزيز، والله أكبر والعزة لمصر الحبيبة .



إنا لله وإنا إليه راجعون

أشهد أن لا إله إلا الله

وأشهد أن محمدا رسول الله

طوال فترة عمله، في قلب إسرائيل، لحساب المخابرات المصرية، لم يتقدّم (رفعت الجمّال) بمطلب واحد للمسؤولين..

حتى كان مطلبه هذا..

أن يعود إلى (مصر)، ويدفن إلى الأبد شخصية (جاك بيتون)..
حدث هذا في يونيو1963م، قبل لقائه الأوَّل بزوجته فيما بعد (فلتراود)، أي أن رغبته هذه كانت تعكس حالة الإجهاد التي وصل إليها، ورغبته الحقيقية في استعادة (رفعت الجمَّال)، بهويته، وجنسيته.. وديانته أيضاً..


ولكن العودة لم تكن بالبساطة التي توقَّعها (رفعت)، إذ لم يكن من السهل بالتأكيد، أن يختفي (جاك بيتون) هكذا فجأة، من قلب (إسرائيل)، ليظهر (رفعت الجمَّال) مرة أخرى في (القاهرة)، فهذا كفيل بكشف كل ما فعله طوال حياته..

ليس هذا فحسب، ولكن ستكشف -أيضا- شبكات التجسُّس التي تركها خلفه أيضاً.. وفي عالم المخابرات تعتبر هذه كارثة.. وبكل المقاييس..


وعند هذا الحد، تمتزج، على نحو ما، مذكرات (جاك بيتون) بمذكرات زوجته (فلتراود)، فيروي هو نفس ما روته هي من قبل، حول لقائهما، في أكتوبر 1963م، ووقوع كل منهما في حب الآخر، وزواجهما.

ولكن هناك فقرة مهمة جداً، في المذكرات التي تركها (رفعت) لزوجته بعد وفاته، تستحق حتماً أن نتوقَّف عندها، وأن ننقلها هنا نصاً؛ لأنها تؤكِّد نجاحه البالغ:


وعدنا إلى إسرائيل في أوائل يناير1964م، قدمتك إلى "غولدا مائير"، وأحبتك كثيراً، ثم اصطحبتك في زيارة إلى "بن جوريون"، في الكيبوتز الخاص به. رافقنا "ديان" في هذه الزيارة، وبعد أن استقبلك "بن جوريون" العجوز مرحباً، طلبت منك التجول في الكيبوتز إلى أن نفرغ من حديثنا أنا و"بن جوريون" و"ديان". لم يتناول نقاشنا شيئاً له أهمية كبيرة، ولكن كان لابد وأن أكون متابعاً لمسرح الأحداث..

إلى هذا الحد إذن كان (رفعت الجمّال) متوغّلاً، في قلب عالم الكبار
في إسرائيل!!! أي نجاح يمكن أن يفوق هذا!!


والنقطة المهمة جداً، التي ينبغي التوقف عندها، في هذه المذكرات أيضاً، هي إصرار (رفعت) الشديد، على ألا يولد ابنه في (إسرائيل)، وعلى أن تسافر زوجته لتنجبه في (ألمانيا)، حتى لا يحمل إلى الأبد الجنسية الإسرائيلية..


ورويداً رويداً، راح (رفعت) يتحلَّل من أعماله والتزاماته في (إسرائيل)، ويقوي روابطه وأعماله في (ألمانيا)، وبدأ في دراسة كل ما يتعلَّق بالنفط، الذي قرَّر أن يجعل من تجارته مصدر رزقه الأساسي، خاصة وأنه قد تقدَّم بطلب للحصول على الجنسية الألمانية، التي ستتيح له السفر بيسر أكثر، ودون تعقيدات أمنية عديدة، إلى (مصر)، في أي وقت يشاء، كرجل أعمال ألماني، وتاجر نفط عالمي.



وفي فقرة مؤسفة، يؤكِّد (رفعت) أنه، باتصالاته التي لم تكن قد انقطعت بعد، بالمسؤولين الإسرائيليين، أمكنه معرفة أن (إسرائيل) تستعد للهجوم على مصر، في يونيو1967م، وأنه أبلغ المسؤولين في (مصر) بهذا، إلا أن أحداً لم يأخذ معلوماته مأخذ الجد، نظراً لوجود معلومات أخرى، تشير إلى أن الضربة ستنصب على سوريا وحدها!!.. .



ووقعت نكسة1967.. وانهزمنا هزيمة منكرة..


وعلى الرغم من حالة الإحباط وخيبة الأمل، التي أصابته بسبب هذا، واصل (رفعت) ارتباطه بالمخابرات المصرية، وظلّ يرسل إليها كل ما يقع تحت يديه من معلومات، من خلال صداقته مع رجل المخابرات الإسرائيلي (سام شواب)، حتى توافرت لديه فجأة بعض المعلومات بالغة الخطورة، (لم يفصح عنها أيضاً في مذكراته)، والتي أرسلها فوراً إلى مصر، وصدقها المصريون، وكان لها تأثير واضح، في حرب 1973م..


وبعد الحرب والانتصار، عاد (رفعت) يطلب العودة إلى (مصر)، ولكن المخابرات المصرية أخبرته أنه لا يستطيع العودة مع أسرته، إذ يستحيل أن تتم حماية الأسرة كلها طوال الوقت، من أية محاولات انتقامية إسرائيلية، إذا ما انكشف أمره..


كان على الطير أن يواصل التحليق إذن، بعيداً عن وطنه، وأن يحمل حتى آخر العمر جنسية (جاك بيتون)، اليهودي الإسرائيلي السابق، ورجل الأعمال الألماني المحترم، الذي نجح في إقامة مشروع نفطي كبير في (مصر)، ظلّ يزهو به، حتى آخر لحظة في حياته، ويروي في مذكراته كيف حصل على امتياز التنقيب عن البترول المصري، في عام 1977م، ليعود أخيراً إلى (مصر)، التي عشق ترابها، وفعل من أجلها كل ما فعله..


وفي نهاية مذكراته، يتحدَّث (رفعت الجمَّال) عن إصابته بمرض خبيث، وتلقيه العلاج الكيمائي، في أكتوبر1981م، وتفاقم حالته، ثم يبدي ارتياحه، لأن العمر قد أمهله، حتى أكمل مذكراته، وأن زوجته وابنه دانيال، وابنته بالتبني أندريا سيعرفون يوماً ما حقيقته، وهويته، وطبيعة الدور البطولي الذي عاش فيه عمره كله، من أجل وطنه..


تروي (فلتراود) قصة لقائها بالفنان (إيهاب نافع)، وارتباطها به، والدور الذي قام به، لإجراء الاتصال بينها وبين المخابرات المصرية، للتيقن من حقيقة ما جاء في مذكرات زوجها الراحل، ثم زواجها من (إيهاب نافع) فيما بعد..


وأن العالم كله يعرف الآن أن المخابرات المصرية قد نجحت، في صفع الإسرائيليين، طوال ثمانية عشر عاماً كاملة، وزرع جاسوس مصري في قلب قياداتهم.. وقلب مجتمعهم..
بل وقلب كيانهم الأساسي كله.. وأنها كانت واحدة من أروع وأكمل العمليات، التي تم نشر (بعض) تفاصيلها، في تاريخ المخابرات كله.. عملية، برع وتألّق خلالها جاسوس يعد الأشهر في عالمه، حتى لحظة كتابة هذه السطور.. بل أشهر الجواسيس.. على الإطلاق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

ساهم بنشر الموقع و لك جزيل الشكر