اشترك في النشرة الإخبارية لاستقبال المقالات الجديدة

الاثنين، 16 سبتمبر، 2013

الحكايات المجهولة في حياة عبد الحليم حافظ.

بدأ عبدالحليم مشواره الفني عام1945 من غرفة بسيطة في شارع سلامه حجازي المتفرع من بركة الفيل في السيدة زينب، كانت الغرفة تجمعه مع شقيقيه إسماعيل ومحمد شبانه، وفي هذا الوقت التحق بقسم الأصوات بمعهد الموسيقي العربية، وقبل أن ينتهي من عامه الدراسي الثاني، تم افتتاح المعهد العالي للموسيقى المسرحية، ونصحه كثير من المقربين منه ومنهم شقيقه المطرب إسماعيل شبانه بالالتحاق بالمعهد الجديد كعازف كلارينيت، وبالفعل دخل المعهد، لكن نصحه الراحل محمد حسن الشجاعي رئيس لجنة القبول بالمعهد بدراسة آلة «الأبوا» لأن قسم الكلارينيت «فيه وحوش». وفي المعهد تعرف على زملائه الجدد فايدة كامل، عبدالعظيم عبدالحق، أحمد فؤاد حسن،علي إسماعيل وغيرهم، فضلا عن صديقه كمال الطويل، الذي تعرف عليه في معهد الموسيقى العربية، وانتقل معه إلى المعهد الجديد.
مرت سنوات الدراسة سريعا وخلال هذه السنوات توطدت علاقته بزميله كمال الطويل، الذي كان يلتقيه يوميا حتى في أيام الإجازات، وبعد تخرج عبد الحليم في المعهد العالي للموسيقى المسرحية عام1948 بتفوق، كان ينتظر سفره إلى إيطاليا لاستكمال دراسته لآلة «الأبوا»، والتي كان الأول في دراستها- آنذاك. لكن البعثة التي كان من المفروض أن يسافر فيها تم إلغاؤها، وبدلا من سفره لإيطاليا فوجئ بتعيينه في ثلاث مدارس للبنات دفعة واحدة، يومان منهما في طنطا، وفي أحد الأيام كان يزور صديقه كمال الطويل في الإذاعة بمبنى الشريفين، ويومها عرض عليه الطويل بحماسة شديدة العمل في أوركسترا الإذاعة الجديد كعازف على آلة «الأبوا» نظير مبلغ 25 جنيها، عندئذ «طار حليم من السعادة»، وقدم استقالته من التدريس غير آسف عليه، والتحق بأوركسترا الإذاعة، وكانت هذه الفترة فرصة ليعرف أسرار نجاح المطربين أو فشلهم، الذين يعزف خلفهم، حيث عزف مع كل مطربي مصر باستثناء أم كلثوم وعبدالوهاب، وكان يدندن طوال الوقت ببعض أغنيات مطربه المفضل محمد عبدالوهاب، وكذلك بعض أغنيات أم كلثوم، حتى اشتهر صوته بين زملائه.
وبحكم الصداقة التي كانت تربطه بالملحن كمال الطويل كان يحفظ كل ما يلحنه، وفي أحد الأيام لحن الطويل قصيدة» لقاء» لتغنيها المطربة مديحة عبدالحليم، لكن نظرا لأن القصيدة قام بتوزيعها فؤاد الظاهري، فشلت المطربة الشابة صاحبة الصوت العذب في غنائها، حيث كان التوزيع الموسيقي غريبا على أذنها، وحاول الطويل مع المطربة أكثر من مرة لكنه فشل، وهنا تقدم حليم واقترح غناء القصيدة، على أن يغنيها بعد ذلك مطرب معروف ومعتمد في الإذاعة، وفوجئ الطويل بأن صديقه عازف «الأبوا» يغني القصيدة الموزعة بطريقة جيدة ومن المرة الأولى، ما جعله يقول له: «اسمع يا عبدالحليم أنت عندك استعداد رائع للغناء»،ولم يكتف بذلك وبالحماسة ذاتها التي أبداها لعمل صديقه في أوركسترا الإذاعة، بدت عليه بوادر حماسة أخرى، وهي أن يتجه حليم للغناء، وكتب له طلبا لاعتماده في الإذاعة كمطرب، وتقدم عبدالحليم لكنه فشل، واعترض أعضاء اللجنة على طريقة أدائه، خصوصاً منهم مصطفى رضا مدير معهد الموسيقى العربية، الذي طلب منه الابتعاد عن غناء الخواجات، وأن يقدم غناءًا شرقيا خالصا، كذلك نقيب الموسيقيين عبدالحميد عبدالرحمن، ولكن الطويل لم ييأس، ووجد الحماسة ذاتها عند حافظ عبدالوهاب، فطلب من عبد الحليم أن يتقدم مرة أخرى إلى لجنة الاستماع، وفي المرة الثانية كانت لجنة الاستماع مكونة من محمد عبدالوهاب، أم كلثوم، محمد القصبجي، رياض السنباطي، حافظ عبدالوهاب، وأثنى الجميع على موهبة وإحساس المطرب الجديد عبدالحليم شبانة، الذي سعد بالنجاح، وكان لابد أن يغير اسمه، نظرا لوجود شقيقه المطرب إسماعيل شبانة. ووفاء منه وتقديرا لمساعدة حافظ عبدالوهاب، غير اسمه إلى عبدالحليم حافظ، وبدأ مشواره مع الغناء، وكانت قصيدة «لقاء» هي أول قصيدة يغنيها بعد اعتماده في الإذاعة، بعدها غنى لحنا آخر لصديقه كمال الطويل بعنوان «أشكي» كلمات إبراهيم رجب يقول مطلعها «أروح لمين واشكي/ أروح لمين وأبكي/ انت منايا/ وأنت هنايا»، ثم قدم دويتو من ألحان كمال الطويل أيضا مع سعاد مكاوي بعنوان» أنا ولا أنت».
كان من الصعب أن يعتمد عبد الحليم على ملحن واحد هو كمال الطويل خصوصاً وأنه «موسوس»، وشخصية قلقة جدا، ولا يرضى بسهولة عن ألحانه فكان عليه البحث عن ملحنين آخرين.
تم اعتماد عبدالحليم حافظ كمطرب في الإذاعة وحاول كمال الطويل أن يقنع بعض الملحنين بأن يعطوا صديقه المطرب الجديد ألحانهم، لكنهم في معظم الأحيان كان يهربون ويماطلون ويتفننون في الاعتذار إلا عدد قليل، منهم الموسيقار علي إسماعيل زميلهما في معهد الموسيقى، الذي أعطى عبدالحليم العديد من الألحان التي طبعتها شركة صوت القاهرة منذ سنوات قليلة. هذه الألحان هي: يا مغرمين يا عاشقين- أصيل ونحيل- الجدول- مركب الأحلام- في سكون الليل- العيون بتناجيك. وجميعها من كلمات الشاعر إمام الصفطاوي، لكن هذه الألحان الجديدة المبتكرة التي لايتعدى اللحن فيها الثلاث دقائق لم تحقق أي نجاح، وفي الفترة نفسها قدم له الملحن خليل المصري لحنا بعنوان «بيني وبين قلبي حكاية»، وقدم له الموسيقار عبدالحميد توفيق زكي ألحان «ياللي أنت نجوي حياتي» كلمات إبراهيم محمد نجا، «هلّ الربيع» كلمات إبراهيم رجب، «الأصيل الذهبي»، كلمات عبدالرحمن الخميسي، «أنشودة الحياة» كلمات مرسي جميل عزيز، وكل هذه الألحان لم تحقق أي نجاح.
وفي فترة البدايات هذه كانت الإذاعة تقدم كثيرا من الصور الغنائية والأوبريتات فشارك عبدالحليم في العديد منها، ومن الأعمال التي لا يعرف أحد عنها شيئا ونذكرها هنا للمرة الأولى مسرحية «مجنون ليلي» تأليف الشاعر الكبير أحمد شوقي، تمثيل أمينة رزق، حسني الحديدي، محمد الطوخي، محمد السبع، محمد توفيق، وغناء كارم محمود، عباس البليدي، إبراهيم حمودة، نجاة الصغيرة، ووضع لها الألحان عبدالحميد عبدالرحمن.
ومرت السنوات منذ تخرج عام1948 ووصولا لعام1953، ورغم غزارة ما قدمه عبدالحليم حافظ وتعاونه مع كل الملحنين الموجودين علي الساحة باستثناء عبدالوهاب وأحمد صدقي وزكريا أحمد، إلا أنه لم يحقق أي شهرة، كل ما حققه هو معرفة الوسط الغنائي به، وبدأ يضيق ويمل مما يقدمه، لكن كان لديه إصرار على النجاح، وفي وسط هذه الدوامة يقابل أباه الروحي حافظ عبدالوهاب، الذي يطلب منه مقابلة ملحن شاب يدعى محمد الموجي في ركن الأغاني الشعبية، أعجب بصوته وهو يغني قصيدة «لقاء» لكمال الطويل، ويذهب حليم لمقابلة الملحن الشاب الذي يتميز بالطيبة والأدب الجم، ويسمعه الموجي لحنا شعبيا بعنوان «عين يا عيني»، لكن اللحن لا يعجب المطرب الطموح، لكنه يشعر أن وراء هذا اللحن ملحن موهوب ونغمة جديدة عن كل النغمات التي استمع إليها من قبل، فيسأله: هل لديك ياأستاذ موجي ألحان أخرى؟ فيرد الملحن الطيب عندي ألحان كثيرة عاطفية وليست شعبية، فيطلب العندليب أن يستمع إليها فيغني له لحنه «صافيني مرة» كلمات سمير محبوب، وينال اللحن إعجاب حليم، ويطلب سماع ألحان آخرى فيسمعه «يا تبر سايل بين شطين يا حلو يا أسمر» للشاعر نفسه،» و»ظالم» و»بتقولي بكره»، ويقرر حليم أن يكوّن ثنائيا مع هذا الملحن الموهوب.
وفي الفترة ذاتها التي غنى فيها «صافيني مرة» غنى أيضا لصديقه كمال الطويل لحنه الجديد «على قد الشوق» ليغزو عبدالحليم بهذين اللحنيين عالم الغناء، ويصبح بين ليلة وضحاها النجم الأسمر ويصعد لسلم المجد بسرعة الصاروخ، بعد ست سنوات من الشقاء والتعب، ويصبح اسم عبدالحليم مرادفا للنجاح بعد ارتباط اسمه بالموجي وكمال الطويل وبعدهم منير مراد وبليغ حمدي إلى آخر من تعامل معهم من الملحنين والمؤلفين الذين صاغوا أسطورته الرومانسية في الغناء حتى رحيله يوم30 آذار 1977.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

ساهم بنشر الموقع و لك جزيل الشكر