‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإخوان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإخوان. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 27 سبتمبر 2013

حادثة المنشية :جمال عبد الناص و صراعه مع الإخوان



في 4 أكتوبر زار "يوسف طلعت" الهضيبي في الإسكندرية، وأخبره بوجود الكثير من البلبلة واللبس الفكري في الصفوف حول أفضلية ما يجب عمله ونوع ذلك العمل، وطلب من المرشد أن يخرج على الناس، حتى يوضح الأمر، ويرفع من الروح المعنوية المتدهورة للجمعية، وقد أجاب الهضيبي أن مكتب الإرشاد يرغب في أن يبقى مختفيا، كما أخبره أنه أحس بالقلق في الأيام القليلة الماضية من خشية احتمال وقوع عنف واغتيال، وأضاف: "إذا أردتم القيام بمظاهرة تؤيدها جميع طبقات الشعب، فذلك هو الصواب"، ومع ذلك فيجب أن تقتصر المظاهرة على المطالبة "بحرية الصحافة، وبمجلس نيابي، وبعرض اتفاقية الجلاء على الشعب"، كما يجب أن تكون "مظاهرة شعبية"، وأكد: أنه يرفض قبول أي "عمل إجرامي"، مؤكدا أنه يعتبر نفسه "بريئا من دم أي شخص كان".

بهذا الوضوح الذي يضاهي شمس الضحى في الظهور، كان جواب المرشد العام الأستاذ الهضيبي عليه رحمة الله، وكان رجلا مستقيم الفكر والسلوك لا يعرف الالتواء، ولا اللعب بالألفاظ، فلا يمكن أن ينسب إليه أحد من المفترين أنه وافق على أي خطة فيها اغتيال. وقد وضح الصبح لذي عينيين. 


في هذا الوقت كان هناك شخص واحد، يفكر وحده في علاج هذه القضية ـ قضية علاقة الإخوان بالثورة ـ بطريقته الخاصة. هذا الشخص هو هنداوي دوير المحامي. 


وأنا أعرف هنداوي دوير وأعرف نوع تفكيره، فقد لقيته عدة مرات بالمحلة الكبرى، إذ كان يعمل في مصنعها قديما قبل أن يحصل على ليسانس الحقوق، وينتقل إلىالقاهرة، ومن عرف "دوير" عرف أنه رجل ذكي، ورجل مغرور، ورجل متحمس عجول. كما أنه رجل مخلص للدعوة لا يمكن أن يتهم بخيانة أو عمالة للخصوم. 

تفكير هنداوي دوير يقوم على أن هذا النظام يعتمد في بقائه على شخص واحد، هو سنده وعموده الأساسي، فإذا سقط هذا الشخص سقط النظام كله، هذا الشخص هوجمال عبد الناصر، وكيف يذهب أو يسقط عبد الناصر عمود النظام الثوري؟ إنه أمر في غاية السهولة: رصاصات يطلقها رامٍ ماهر في صدره، فيخر صريعا، ويخر معه نظامه أيضا. 

فهل عجزت جماعة كبرى كالإخوان أن يكون فيها رام ماهر؟ كلا. بل هو موجود، بل هو أقرب ما يكون إليه. إنه في شعبته نفسها. إنه الشاب الرامي الحاذق (النشانجي) محمود عبد اللطيف السباك أو السمكري المعروف. 

ما أبسطه من حل، وما أسهله من علاج، لا يحتاج إلى جماعات مسلحة، ولا إلى تدبير انقلاب على نظام الحكم، وما يحتاج إليه من إمكانات وتدبيرات، وما يحوط به من محذورات وتخوفات. بخلاف هذا الحل الذي يقوم على مجرد يد رامية ماهرة وعدة رصاصات!! 

ولم يفكر المحامي الذكي المعجب بنفسه: ما العمل إذا أخفق هذا الحل، وفشلت هذه الخطة؟ لم يسمح لنفسه أن يفكر في الوجه المقابل؟ بل افترض النجاح أبدا. 

اختار هنداوي دوير محمود عبد اللطيف، وأوهمه أنه مكلف من قيادة الإخوان باغتيال عبد الناصر. ودوير هو رئيسه في شعبة إمبابة، وله عليه حق السمع والطاعة. وكما يقول ريتشارد .ن- ميشل: أمهله ثلاثة أيام ليتخذ قراره. 

وفي 19 أكتوبر ـ وهو اليوم الذي أمضى فيه عبد الناصر المعاهدة مع بريطانياـ قبل عبد اللطيف مهمة اغتياله بسبب "ارتكابه الخيانة" بإمضاء المعاهدة التي "ضيعت حقوق البلاد"، ووضعت الخطط للقيام بهذا العمل في نفس اليوم، إلا أن الظروف التي أحاطت بعبد الناصر في الاجتماعات العامة لم تساعد على تنفيذ الخطة بنجاح، وبناء على ذلك فقد أجّل تنفيذها لوقت أكثر ملاءمة. 

وفي 24 أكتوبر قام كمال خليفة وكان من أكثر أعضاء مكتب الإرشاد احتراما بزيارة لجمال سالم نائب رئيس الوزراء، وقدم التهنئة للحكومة على إكمالها المفاوضات وإمضائها للمعاهدة، وشاع من مصادر يعتد بها أن الهضيبي قرر إصدار بيان جديد يبين فيه انطباعه الحسن عن المعاهدة، على خلاف انطباعه عن الخطوط الرئيسية السابقة للاتفاق، واستمرت "لجنة الاتصال مع الحكومة" في جهودها لرأب الصدع. وفي عصر يوم 26 أكتوبر كان أحد أعضاء مكتب الإرشاد، في مكتب أنور السادات ليطلب تحديد موعد مع رئيس الوزراء لحل بعض المشاكل القائمة، وفي نفس الوقت زار عبد العزيز كامل أحد الأعضاء البارزين في الجماعة ورئيس قسم الأسر منزل صديقه هنداوي دويرالذي كان زميلا له في شعبة إمبابة بقسم القاهرة، ولم يذكر دوير لعبد العزيز كامل آنئذ أنه عمل على إرسال عبد اللطيف إلىالإسكندرية في صباح ذلك اليوم كجزء من المؤامرة الإرهابية. 

وفي المساء حيث وقف عبد الناصر أمام جموع حاشدة، ليذكر مصر وجهوده الوطنية الشخصية، وليحتفل بنتائجها التي تجلت في اتفاقية الجلاء، أطلقت عليه النار ثماني مرات، وتوقف رئيس الوزراء لحظة ستظل ذكراها الحزينة باقية لأمد طويل، وقطع خطابه حينما دوت الطلقات النارية، ثم استأنف الكلام، وقد تمكن وحده من حفظ النظام حينما اخترق أثر هذه الرصاصات نفوس الجماهير، ولم تمض ساعات حتى أذيعت كلمات عبد الناصر في تلك اللحظة وتكررت إذاعتها في القاهرة ومنها إلى سائر العالم العربي. قال عبد الناصر: 

"أيها الشعب ... أيها الرجال الأحرار... جمال عبد الناصر من دمكم، ودمي لكم، سأعيش من أجلكم، وسأموت في خدمتكم، سأعيش لأناضل من أجل حريتكم وكرامتكم. أيها الرجال الأحرار... أيها الرجال... حتى لو قتلوني فقد وضعت فيكم العزة، فدعوهم ليقتلوني الآن، فقد غرست في هذه الأمة الحرية والعزة والكرامة، في سبيل مصر وفي سبيل حرية مصر سأحيا، وفي خدمة مصر سأموت". 

لم يصب رئيس الوزراء، فأتم خطابه، واستأذن من الجماهير منصرفا. لقد أمده هذا الحادث بفرصة العمر الوحيدة التي تمتع بها ذلك الوقت في صراعه العدائي الذي تميزت به علاقته مع الشعب الذي حاول أن يحكمه، كما أمده دون جدال بفرصة الإجهاز على الإخوان المسلمين. وفي 9 من ديسمبر اللاحق شُنق ستة من الإخوانوكان قد اُعتقل آلاف منهم، وقضي على الجماعة قضاء مبرما. وبهذه الأحداث ينتهي هذا الفصل.ا هـ. 

أما القضاء المبرم على الجماعة، فهو أمر توهمه عبد الناصر ومن معه يوما، ثم تبين لهم أنهم واهمون، وأن الإخوان أرسخ جذورا، وأعمق امتدادا مما ظن الظانون، ورغم ما حشده عبد الناصر ورجاله من كل أدوات التعذيب البدني والنفسي، فإن الدعوات الربانية لا يقضى عليها بالسجون تفتح، ولا بالمشانق تنصب، ولا بالسياط تلهب، ولا بالأموال تصادر، بل ربما زادها ذلك يقينا وثباتا.

الاثنين، 1 يوليو 2013

عبدالحليم حافظ بين «ناصر» و«الإخوان»



على الرغم من وفاة العندليب الأسمر منذ ٣٦ عاماً، إلا أن عبدالحليم حافظ مازال يعيش فى وجدان الشعب المصرى، نلجأ إليه كلما اشتقنا إلى زمن الفن الجميل. نلجأ إليه فى المحن والشدائد بأغنياته الوطنية الثورية التى ألهبت حماس المصريين حتى فى ثورة ٢٥ يناير.
مازال الغموض يسيطر على تفاصيل كثيرة من حياة «العندليب»، وكل عام تظهرأسرار جديدة، هذه المرة حاولنا الغوص فى جانب آخر فى حياة «عبدالحليم»، الناصرى، الذى غنى لـ«جمال» وللاشتراكية. فكيف كان موقف الإخوان المسلمون منه ومن أغانيه؟
عبد الرحمن الأبنودى، قال: «عبدالحليم» كان شاباً ناصرياً، شكل مسيرة للغناء الوطنى لـ«عبدالناصر» مع كمال الطويل وصلاح جاهين، وأظن أن مواويله فى الشعر الصوفى مع الشاعر الكبير عبدالفتاح مصطفى، الذى لم يأخذ حقة، و«الموجى» - تعتبر قمة الغناء، ولم يصنعها لحاكم أو جماعة، إنما لإيمانه الخاص، والتزام بعادات وتقاليد العائلة، فلم نر السيدة «علية»، شقيقته، عندما كانت ترسل لنا الغذاء، لذلك هو متحفظ، وليس متزمتاً دينياً، وكان يضع المصحف إلى جوار سريره، حتى الأغنيات الوطنية كان بها دعاء ثورى للبلد ولنصرة مصر والفقراء، أما الإخوان فهم لا يعرفون الفن، وليس بينهم فنان ولا شاعر ولا ملحن عظيم، لأنهم بلا خيال، وفى زمن «عبدالحليم» لم يكن هناك إخوان، لأنهم كانوا فى معتقلات «عبدالناصر»، ومن كان منهم فى الخارج كان مختبئاً، ينكر إخوانيته، ولم يشكلوا أى إعاقة للمسيرة، كما هو حادث الآن.
وأضاف «الأبنودى»: أولاً علينا أن نفرق بين الوضع الحالى وزمن «عبدالناصر»، ففى زمن «ناصر» لم نكن نصادف مثل هذه الحالات الشاذة التى ترتدى ثياب الدين وتتفوه بأفظع الألفاظ التى هى ضد الدين، وتسلك كما الوحوش، وقد كنا ضد حبس الإخوان المسلمين فى ذلك الوقت، أما حالياً فأقول لولا سجن الإخوان لما استطاع «ناصر» أن يبنى مصر، أما ما حدث معنا فى تجربته مع أغنية «المسيح»، فهذه الأغنية جاءت بعد «عدى النهار»، حين كان «عبدالحليم» مع «أم كلثوم» يسهمان فى جمع التبرعات من الدول العربية للمجهود الحربى لتعويض ما فقدناه من أسلحة على رمال سيناء بعد نكسة ٦٧، وكان فى طريقه إلى لندن ليغنى فى «ألبرت هول»، أكبر قاعة للغناء هناك، وكان معروف أن كل العرب المقيمين فى الخارج سوف يحضرون هذه الحفلة دعما لـ«عبدالحليم»، وكانوا يعرفون جيداً أنه لن يضع مليماً من ريعها فى جيبه، وقال لى «حليم» فى ذلك الوقت: هل أذهب إلى لندن، وليس معى غير «عدى النهار»، لأنه أخذ عهداً على نفسه أن يبدأ كل حفل بأغنية «أحلف بسماها وبترابها»، قلت هناك موضوع يلح فى كل هزيمة ونكسة نجد الآلاف من الفلســـطينيين يزحفون من بلادهم التى استولت عليها القوات الصهيونية، وهذه البلاد هى بلاد «المسيح»، وإن هؤلاء يعذبون كما عُذب «المسيح». فقال لى: لو سمحت اكتب. وبالفعل بدأت الكتابة فى ظل وجود كمال الطويل، وبمجرد انتهائى من كل مقطع يلحنه «الطويل» فوراً.. لذلك اللحن اكتمل مع الكلام، ثم جاء دور الرقابة فى الإذاعة التى أكدت أنها لن تجيز النص دون الرجوع إلى الأزهر، فطلب منى «حليم» أن أذهب معه إلى الأزهر. فقلت له: أنا حاد ولو اعترضوا على شىء سوف أفسد الأمر، وأنت دبلوماسى ولديك أساليبك، ثم اتصل بى وأخبرنى أن رقابة الأزهر اعترضت على كلمة «صلب المسيح»، لأنه لم يصلب. فقلت له أنا أقصد الشباب الفلسطينى، فرد على قائلاً: لكن قد يحدث لبس لدى المستمعين ومنحونا إذناً لغنائها فى الخارج وألا تغنى فى مصر، وبعد نجاحها انتشرت فى العالم العربى وفك سجنها.
وجدى الحكيم قال: «عبدالحليم» لم يكن متزمتاً فى حياته، وعندما اهتم بتطوير الأغنية الوطنية والشعبية كان حريصاً على أن يحافظ على القيم، وفرصة ألا تتم مهاجمته مثل «أم كلثوم» فى الجوامع، مثلما كان يفعل «الشيخ كشك»، الذى كان يهاجم الفن والفنانين، وحتى يؤمن نفسة كان يلتزم بنوعية من الأغانى لا تثير حفيظتهم ضده، وكان حريصاً على عمل الموشحات القريبة من الإيقاع الدينى وتجربته الوحيدة التى قدم فيها لحناً واحداً بكلمات متغيرة مع عبدالفتاح مصطفى.
وأضاف: وقف الإخوان ضده فى أغنية «المسيح» وحرضوا الأزهر ضده لمنعها، وكانت هذه الأغنية تمثل تحدياً له عندما غناها فى «ألبرت هول» وأذاعتها محطات العالم، وتراجع الأزهر بعد ذلك، وسمح بإذاعتها فى مصر، ووقف بجواره «الأبنودى» وحمى «عبدالحليم» من الموجة المعادية، وكان «عبدالحليم» يتمتع بفكر عصرى جداً مؤمن بالأغنية المصرية والتجمع العربى، أو الدولة العربية العميقة، وهذه مسألة تتعارض مع الإخوان، ولم يكن له علاقة بهم مباشرة ولا يضع لهم أى اعتبار، لكن كان يقدم فناً جيداً ولا يخضع لأى مواصفات، ورغم أنه كان عصرياً فى أغنياته وأفلامه وفى داخله رجل متصوف ملتزم دينياً، فكان حريصاً على الالتزام بتقاليد مجتمعه، وقد عشت ٢٤ عاماً مع «عبدالحليم» لم نر شقيقته «علية»، إلا بعد عودتها مع جثمانه من لندن.

ساهم بنشر الموقع و لك جزيل الشكر