‏إظهار الرسائل ذات التسميات المشير عبد الحكيم عامر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المشير عبد الحكيم عامر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 30 سبتمبر 2013

مصر هي أرض النبوات والمعجزات...وأرض المخابرات أيضاً.





لقد أخرس
 صلاح نصر حوار المقاهي. . وقهقهات التلاميذ وهم يعبرون الشوارع. واشترى بالوعد والوعيد بنات الهوى ورجال القلم.. وجعل المبدعين في بلادنا يطفون على بحر من النميمة . . وجعل البشر العاديين يرددون ما قاله نزار قباني: يا ربي .. إن الأفق رمادي. . وأنا أشتاق لقطرة نور.. إن كنت تريد مساعدتي يا ربي.. فاجعلني عصفور.

في صيف 1976 رحت الى بيته في حي "مصر الجديدة" لأجري معه حواراً صحفياً .. تأملت كثيراً.. وسرحت بعيداً.. هل هذا هو "الرجل" الذي جعل الخوف عادة قومية مزمنة؟ ..هل هذا هو "الفك المفترس" الذي وضع وطناً بأكمله بين أسنانه وأنيابه؟

إنه يبدو مثل دب عجوز. .يلتقط أنفاسه بصعوبة وكأنه في حالة ربو دائمة. . فقد مخالبه. .لم يبق له سوى الخوف والشكوى.. والدفاع المميت عن نفسه. . وهو يحدثني عن يوم سقط في مكتبه مطعوناً في صدره بخنجر الذبحة. . وكيف نقلوه الى مستشفى "القوات الجوية" في العباسية. . وخوفه من القتل.. أو من الاختفاء وراء الشمس كما كان يفعل مع ضحاياه.. حتى إنه وقف كالمجنون في شرفة بالمستشفى ليصرخ في المارة.. إنه صلاح نصر. .وإنهم سيقتلونه. .لقد ذاق الكأس نفسه الذي شرب منه المصريون.

ثم . حدثني عن رجال الأمن الذين اقتحموا بيته وقلبوه رأساً على عقب وفتشوا دولاب زوجته وابنته، وأخذوا يفحصون ملابسهما الداخلية ووجدوا 70 جنيهاً أخذوها وتركوا البيت بلا نقود .. لقد جاء عليه الدور.

أصبحت فضيحته على كل لسان.. توالت الصحف والكتب التي تنهش سمعته . . ومدت السينما يدها لتأخذ نصيبها من الفضيحة. . وقيل أن خالد صفوان رجل الأمن في فيلم "الكرنك" – المأخوذ عن قصة نجيب محفوظ – هو صلاح نصر. .ولعب الدور في الفيلم كمال الشناوي . . واعترف صلاح نصر .. ورفع اعتراضه الى القضاء.. فعقدت المحكمة إحدى جلساتها في قاعة عرض "ميامي". . وكنت هناك أجلس مباشرة وراء صلاح نصر لأسجل انفعالاته. .واعترف أنه كان متماسكاً لا يهتز.

إن الفيلم يتحدث عن القهر، والتعذيب، والاغتصاب، وإجبار الشباب على كتابة التقارير الأمنية. . وكان السؤال الذي شغلني. . هل كنا نعيش هذا الكابوس فعلاً، ورحت لسنوات طوال أفتش عن الإجابة.


في 8 أكتوبر 1920 وُلد صلاح نصر في إحدى قرى الدلتا. . والده مدرس . . وأمه توفيت وعمره 17 سنة. . تمنت أسرته المتوسطة الحال أن يصبح طبيباً لكنه فضل أن يدخل المدرسة الحربية ليتخرج ضابطاً.. ويدعي البعض أنه "كان يشكو من عقدة نفسية تجاه النساء زادت من انحراف سلوكه. .وترجع الى زواجه من زوجة عمه المتوفي عبدالله نصر والتي كانت تكبره بحوالي 30 عاماً وتعامله كتلميذ وكإبن من أبنائها فحول هذه العقدة الى إذلال لكل الناس خاصة النساء".

لكن صلاح نصر يقول:
إنني لم أشعر بالنجاح في حياتي إلا بفضل زوجتي، وحينما واجهت المحنة كانت شجاعة واستطاعت أن تدبر نفسها.

وسأله الكاتب الصحفي حسنين كروم:
ألم تنتب الشكوك زوجتك حينما قالت اعتماد خورشيد أنك تزوجتها عرفياً؟

قال:
لم تشك زوجتي في يوماً فالعلاقة بيننا علاقة ثقة كاملة. . وحينما شاهدت صورة العقد المزيف تأكد من تزوير التوقيع باسمي.

في 23 أكتوبر 1956 استدعاه جمال عبدالناصر وطلب منه أن يذهب الى المخابرات العامة ليصبح نائباً للمدير. . وكان المدير علي صبري. . وبعد عدة شهور أصبح علي صبري وزير دولة. . وتولى صلاح نصر رئاسة الجهاز.

ولا جدال أن صلاح نصر جعل المخابرات المصرية مخابرات قوية، يحسب لها العالم ألف حساب. . لكن هذا الجهاز القوي جعل رجاله أقوياء. . وقد تجاوزت قوة بعضهم حدود العمل.. وامتدت الى خارجه.. فولدت ما أسماه جمال عبدالناصر فيما بعد بدولة المخابرات.

لكن . . صلاح نصر يقول: إن المخابرات هي المخابرات. . وينقل عن هانسون بولدوين قوله: "إن نظام المخابرات الصحيح عبارة عن منشأة ذات إمكانيات هائلة لكل من الخير والشر، ويجب أن تستخدم كل الرجال والنساء وكل الوسائل، فهي رقيقة وشرسة، وتتعامل مع الخونة، والأبطال، وهي ترشو وتفسد وتختطف وأحياناً ما تقتل في وقت الحرب. .إنهاتقبض على قوة الحياة، والموتى، إنها تستغل اسمى وأدنى العواطف، وتستخدم في نفس الوقت الوطنية في أعظم معانيها والنزوات في أحط مداركها.. وهي تبرر الوسالئ التي تحقق أغراضها. . إن مثل هذه المنظمة ذات الأهمية العظمى، والقوة المخيفة يجب أن تصالح أمورها بكل عناية وأن يبقى عملها داخل نطاق مرن تبيح سير هذا العمل بكفاءة".

ويستطرد صلاح نصر:

إن رجال المخابرات لا يحظن بأدنى فخر عند نجاحهم وتنهال عليهم أشد اللطمات حينما يخفقون.

وجاء في البند الثالث من قرار اتهام صلاح نصر – في قضية انحراف المخابرات بعد الهزيمة – أنه ارتكب جنايات هتك باستغلال وسائل التصوير الفوتوغرافي والسينمائي السرية في استدراج بعض النساء والتقاط صور فاضحة لهن بطريق الخديعة في مكان أعد لهذا الغرض للتوصل بذلك الى تهديدهن والسيطرة عليهم ليتمكن من إخضاعهن لشهواته الخاصة.

وأمام المحكمة – التي يرأسها حسين الشافع ي- قال محامي صلاح نصر . . الدكتور علي الرجال: إن هناك فارقاً له وزنه، هو أنه لا يجوز الخلط بين العمل المباح وغير المشروع، فقد يكون العمل مباحاً ولكنه غير مشروع، كالدفاع الشرس مثلاً. .فهو في الأصل عمل غير مشروع ولكن القانون أباحه. . إذن فهناك فرق بين الإباحية والمشروعية .. وأولئك الذين يعيبون على المخابرات استخدام الجنس في أعمال التجسس أو أعمال السيطرة على العملاء، يقعون في الدرك في الخطأ، ذلك أنهم يتناسون هنا الفارق بين المباح والمشروع، وبين مصلحة الدولة التي يباح من أجل سلامتها كل شيء.


في سنة 1963 تقرر تشغيل النساء في المخابرات المصرية. . اتخذ صلاح نصر هذا القرار بعد أن وجد كل أجهزة المخابرات في العالم تستخدم الجنس في عملها. .فالمعروف نفسياً أن الرجل يفقد توازنه وهو مع المرأة بل وقد ينسى نفسه ويتفوه بأحاديث سرية . .كان هذا مبرر استعمال سلاح الأنوثة في مصر. . ولكن هذا السلاح ذو حدين. . فقد ينقلب ضد من يستخدمونه، إذا لم يحسنوا استخدامه، فالمرأة بطبيعتها متقلبة العواطف، كثيراً ما تغلب أنوثتها على الواجب، وقد تصبح عميلة للطرف الآخر إذا ما وقعت في حبه أو غمرها بالمال. . وهذا ما قاله صلاح نصر لعبدالله إمام.. ثم استطرد:

"كان هذا من بين أسباب إحجامنا عن استخدام النساء في بادئ الأمر ولكن ظروف الأمن أجبرتنا على ذلك".

وأضاف: "إن بعض الزوار الذين كانوا يحضرون هنا لمباحثات سياسية سرية على مستوى القمة يتصلون بنساء . . وفي اليوم التالي كانت أجهزتنا تأتي بكل أسرار المحادثات من أفواه هؤلاء النسوة اللواتي يرددنها في كل مكان. . ففكرنا أن يكون لدينا طاقم مدرب يمكن السيطرة عليه لا يفشي الأسرار. . هؤلاء اللواتي عملن معنا حصلن على تدريب أمن وفرق توعية، نجحنا بواسطتهن في عدم نشر الأسرار السياسية.. كان هذا أساساً هو المنطق الذي جعلنا نستخدم أسلوب النساء لكنه تطور بعد ذلك. . فكرنا في استخدامه في بعض قضايا التجسس.. ونجحت بعض النساء العميلات لنا في الكشف عن قضايا تخابر لم يكن في استطاعة الرجال أن يصلوا اليها.


كان من بين الرؤساء الذين صُوروا في أوضاع خاصة الرئيس الأندونيسي الأسبق أحمد سوكارنو. . كان مولعاً بالنساء. . وكان يسقط في أحضان أي امرأة توضع في فراشه. .ولم يصور فقط في القاهرة، بل صورته المخابرات الروسية أيضاً في موسكو .. لكن . . عندما أرادوا ابتزازه وعرضوا عليه الصور الفاضحة، طلب نسخة منها ليأخذها الى بلاده وينشرها علناً.. ثم قال: "سيكون شعبي فخوراً بي بالتأكيد".

فلم يتابعوا محاولة تجنيده.

وبعد هزيمة يونيو 1967، عرضت إسرائيل على الأسرى المصريين صوراً لمسؤولين مصريين وهم في أوضاع جنسية مخجلة، وكان المقصود تحطيم ما تبقى من روحهم المعنوية، وتحريضهم على السلطة السياسية.


المشكلة ليست في استخدام النساء لخدمة المخابرات وإنما المشكلة في استخدامهن لخدمة الأغراض الشخصية تحت غطاء المخابرات. . ومواجهة الأعداء.. والدفاع عن الوطن.

وقد اعترف صلاح نصر بأنهم استعملوا 100 فتاة، وأنهم كانوا يلجأون لتصويرهن من باب السيطرة وخوفاً من تقلب عواطفهن.. كذلك اعترف بأن بعض الفنانات كان لهن دور. .لكنه لم يعترف بحفلات السمو الجنسي على طريقة الهنود.. أو على طريقة فتيات السنونو.. والعبرة في النهاية بما حدث.. الهزيمة. . وسقوط الأحلام.


استمرت صداقة عامر وعبدالناصر 40 سنة . . منذ خدما معاً في منقباد سنة 1947 الى أن هزما معاً في سيناء سنة 1967. . ويكاد المؤرخون أن يجمعوا على أن هذه الصداقة هي نقطة ضعف نظام يوليو . . فقد خسر النظام في 6 ساعات ما كسبه في 15 سنة. . إنها ساعات الهزيمة التي سحقت سنوات الإنجاز. . ويقول محمد حسنين هيكل:

إن عامر نصف فنان، نصف بوهيمي، لطيف جداً، عسكري لا يصلح لقيادة جيش، تكفيه كتيبة . . ولم يكن يقرأ. . أو يتابع الجديد في فنون الحرب.. ولم يكن لديه الوقت ليكون قائداً للجيش. .لقد توقفت معلوماته العسكرية عند رتبة الصاغ.. ولم تزد معلومة واحدة حتى مات.

وقد راح عامر يدلل الضباط الى حد أفسدهم.. فتحول رجال مكتبه الى تجار ومهربين .. ففي 1966، كانوا يجيئون ببضائع وثلاجات وأجهزة تكييف وتليفزيونات من عدن عن طريق اليمن ويبيعونها في السوق السوداء في القاهرة وقتها أثار عبدالناصر الموضوع مع عامر.. قائلاً: "إنه لا يريد أن يدخل في هذه القضية بسلطته أو سلطة الحكومة حتى لا يحرج المشير، ولهذا فهو يطلب منه شخصياً تصفية هذه الانحرافات ومعاقبة المسؤولين عنها فوراً". . ثم قال عبدالناصر لعامر: "إنني أريد أن تأمر بنفسك بالتحقيق في هذه الموضوعات ولا أريد أن تتصرف بمنطق الصعيدي الذي يتصور أنه مكلف بحماية رجاله فهذا منطق مشايخ غفر لا يليق بك". (1)

وواضح أن عبدالناصر كان يعرف أن أسلوب عامر هو أسلوب العمد وشيوخ البلد، ومنطقه هو منطق الصعيدي والمصطبة. . لا هو أسلوب مؤسسة منضبطة لها تراث وتقاليد. .ولا هو منطق القائد الذي يلتزم باللوائح والقوانين. . إن فضيحة المشير كانت نموذجاً لأخطاء السلطة الأبوية في المؤسسة العسكرية.. وهي السلطة التي ضيعت الجيش في يونيو 1967 قبل أن تضيع أعصاب قائده. . بل إن الهزيمة لم تعلمه كيف يتخلص من هذا الطراز من السلطة. . فعندما اتفق مع عبدالناصر على الاستقالة، رشح شمس بدران أحد رجاله المخلصين ليصبح رئيساً للجمهورية. . إنه كان مستعداً لأن يُلدغ من نفس الجحر مرتين.

وبعد سنة – تقريباً – على فضيحة مكتب المشير . . انفجرت قنبلة زواجه السري من . . نفيسة عبدالحميد حواس، وشهرتها برلنتي عبدالحميد، وهي ممثلة سينمائية عُرفت بتقديم أدوار الإغراء والإثارة. . ولعل قصتها مع المشير صورة من صور الولاء للسلطة الأبوية.. إن الضباط يردون الدين للأب القائد.. إنه يمنحهم الحماية والمميزات، ويغفر الذنوب والتجاوزات، ولا بد أن يحصل على الثمن.. ولاء وطاعة وخدمات أخرى شخصية . .لا مانع.

والمعروف أن الذي دبر اللقاء الأول بين عامر وبرلنتي هو مدير المخابرات الأسبق صلاح نصر، في أواخر سنة 1960، وقد تطورت العلاقة الى زواج عرفي وقع عليه حسن ومصطفى عامر شقيقا المشير في أوائل عام 1965 . . وفي 20 فبراير 1967 – وحسب ما قاله هيكل (2) – قرأ عبدالناصر تقريراً كان بمثابة صدمة. . كان التقرير عن زواج عامر وبرلنتي، وأنهما ينتظران مولوداً نتيجة لهذا الزواج. . ورأى عبدالناصر أن ينتظر أياماً قبل أن يفاتح عامر في الموضوع. . حتى لا تملكه انفعالات الغضب وتصعب المناقشة الجادة في تصرف يصعب السكوت عليه.

وكان شعور عبدالناصر لأول وهلة أن عبدالحكيم عامر يجب أن يبتعد عن منصبه وما دام قد اختار أن يغلب ضعفه الإنساني على شعوره بالواجب فإن الأمور تقتضي حسماً، وقام عبدالناصر باستدعائه لمقابلته يوم أول مارس 1967، وكانت مشاعره مختلطة بين الأسى والغضب، فقد كان عبدالحكيم عامر أقرب الناس اليه منذ كانا في عز الشباب ضابطين بالقوات المسلحة، ثم خدما معاً في السودان قرابة عامين. . ثم كان عبدالحكيم عامر ساعده الأيمن في تنظيم الضباط الأحرار، وكان هو الذي يتولى الإشراف على شؤون التنظيم بما فيها الاتصال مع الضباط الذين انضموا الى صفوفه وكان عبدالحكيم عامر بطبيعته إنساناً ودوداً قادراً على كسب ثقة زملائه والاحتفاظ بودهم. . وليلة الثورة كان بجانب عبدالناصر طوال الوقت. . وفيما بعد ولصلته بتنظيم الضباط الأحرار، ولمعرفته الواسعة بهم، وبغيرهم من المتعاطفين مع الثورة أو الذين ساعدوا على قيامها واستقرارها – رقي الى رتبة اللواء وأصبح قائداً عاماً للقوات المسلحة وقد ساعده في هذه المهمة وتولى وزارة الحربية بعد شمس بدران.

ومع أن عبد الحكيم عامر لم يكن في أحسن أحواله أثناء معركة سنة 1956 إلا أن ظروف العدوان الثلاثي كانت تغلب على أعصابه، ثم إن تجربته في سوريا لم تكن ناجحة . . وبرغم ذلك فإن عبدالناصر كان دائماً على استعداد لأن يعطيه فرصة أخرى وكان عبدالحكيم عامر من ناحيته يشعر بهذه الحقيقة ومن ثم فإنه أصبح في بعض الأحيان حساساً بأكثر من اللازم.

وحين وصل عبدالحكيم عامر الى مكتب جمال عبدالناصر في بيته في منشية البكري فإنه أحس على الفور بأن هناك شيئاً غير عادي في الجو، وبدا من بعض تصرفاته أن لديه فكرة عن الموضوع الذي استدعى من أجله.

كان أسلوب عبد الحكيم عامر المعتاد عندما يوجه اليه أي تساؤل عن تصرف من تصرفاته أن يبدأ بإثارة زوابع صغيرة ويتخذ مظهر الغاضب المجروح المعتدى عليه، وهكذا عندما سأله جمال عبد الناصر في موضوع زواجه السري بدا غاضباً ومتألماً وقائلاً: "إنه سئم هذه الحملات الموجهة ضده والتي تثور من وقت لآخر وإنه لم يعد يطلب غير أن يبتعد وإنه يفضل أن يعود الى قريته "أسطال" بالمنيا ويعيش هناك فلاحاً عادياً، يزرع ويقلع ولا يكون نائباً لرئيس الجمهورية أو نائباً للقائد الأعلى للقوات المسلحة. . وانتظره جمال عبدالناصر حتى أفرغ ما لديه ثم كان تعليقه أن كل ما سمعه من المشير خارج الموضوع، وأن سؤاله كان سؤالاً محدداً، وليست هناك جدوى من تجنب الرد عليه مباشرة. . وهكذا هبط عبدالحكيم عامر فوراً من الغضب الى التظاهر به دفاعاً عن النفس، واعترف بعلاقته مع السيدة برلنتي عبدالحميد، ولم يجد ما يبرر به تصرفه سوى أنه وجد أخيراً إنسانة تستطيع أن تفهمه.. وكانت الدموع تلوح في عينيه وهو يحاول أن يكتمها.. ثم لم يتمالك نفسه وراحت دموعه تجري على خديه في صمت. . وسأل جمال عبدالناصر عن الظروف التي تعرف فيها عليها. . وكان رد عبدالحكيم عامر أنه تعرف بها عن طريق صلاح نصر. (2)

لم يبتعد عبدالحكيم عامر عن منصبه كما أراد.. وكان ما كان في يونيو 1967. .وفي تلك الأيام السوداء جرى لقاء بين عبدالناصر وصلاح نصر. . يمكن تلخيصه على النحو التالي: (4)

صلاح نصر: صدقني يا سيادة الرئيس إنني أحاول بكل جهدي أن أساعد على حل مشاكل كثيرة دون أن أزعج سيادتك.

عبدالناصر: مشاكل إيه؟

صلاح نصر: إنني كنت طوال الوقت أخشى من انفلات عبدالحكيم عامر الى تصرفات لا تحمد عواقبها.

عبدالناصر: إنك أنت شخصياً أحد المسؤولين عما جرى لعبد الحكيم عامر. . إنه كان قطة مغمضة حتى توليت أنت فتح عينيه في مالم يكن يجوز أن يتورط فيه.

صلاح نصر: أقسم لك أنا لا ذنب لي فيما تورط فيه عبدالحكيم عامر.. إنني أعترف بحقيقة أنني أنا الذي قدمت اليه برلنتي، لكن لم أكن أتصور أن تصل الأمور الى هذا الحد. عبدالناصر: لماذا أخفيت الأمر عني وأنت مدير المخابرات العامة؟

صلاح نصر: لقد تصورت أن المشير سوف يفوق بعد وقت قصير، وينتهي الأمر وننسى الموضوع كله. . لكن ما توقعته لم يحدث، وغاص المشير في ورطته الى شوشته.

عبدالناصر: هذا لا ينفي أنك أخطأت؟

صلاح نصر: إن عبدالحكيم عامر كان تحت ضغط عنيف في ظروف بداية النكسة. . فقد أنجبت برلنتي منه طفلاً وراحت تطالبه بأن يعلن زواجه منها لكي تجعل وضعها في المجتمع محتملاً. . وكانت على استعداد لأن تذهب الى أسرته وتشرح موقفها وتطلب قبولها في الأسرة بحق الشريعة التي لا تحول بينها وبين هذا الطلب.

ووُلد الطفل والبلد مهزومة، ولم ير والده، الذي ذهب الى الموت بقدميه.. ولم يبق من القصة سوى نهايتها الحزينة . . السوداء.. التي دفعنا جميعاً ثمنها.

1) هيكل – الإنفجار – 1967 – ص 395

2) المصدر السابق – ص 394

3) المصدر السابق – ص 394

4) المصدر السابق – ص 875

الاثنين، 16 سبتمبر 2013

ام كلثوم رشحت لتكون اول وزيرة في حكومة عبد الناصر








ان العلاقة بين الفن والسلطة علاقة وطيدة ذات حيثيات وتفاعلات غير معلنة .. فالسلطة تحتاج دائما الي من يسهل لها الوصول بافكارها للناس ليكون قناة تمرر من خلالها سياساتها ومشروعاتها..كما ان الفنان محتاج دائما لمن يسانده ..ويوفر له الارضية الصلبة والمظلة التي يستطيع عن طريقها تدعيم نفسه والانطلاق الي عالم اوسع وارحب من الشهرة والمجد تحت غطاء آمن يحميه من اعدائه ومنافسيه.

من اشهر هذه الحالات تللك العلاقة المتينة القوية التي جمعت بين ام كلثوم والرئيس الراحل جمال عبد الناصر .و.ما لايعرفه الكثيرون ان ام كلثوم رشحت لتكون اول وزيرة في حكومة عبد الناصر ..حيث رشحها عبد الناصر ضمن 10 شخصيات اخري لاعتلاء وزارة السئون الاجتماعية ..لكن المشير عامر اعترض علي فكرة ان تكون هناك امرأة ضمن التشكيل الوزاري ..فأرجأ عبد الناصر الفكرة.

لم يتوقف الامر عند رأي المشير ..بل عرض غبد الناصر الفكرة علي الكاتب الصحفي مصطفي امين المقرب له في ذلك الوقت والذي اقترح بدوره ان تشغل كوكب الشرق منصب وزيرة الثقافة ..لكن عبد الناصر اراد ان تكون بمصر وزيرة واحدة ..فاختار الدكتورة حكمت ابو زيد ..وزيرة للشئون الاجتماعية.

ومن المعروف ان ام كلثوم كانت قريبة من السلطة علي مر العصور..وتبادل الحكام وتغير الانظمة... فقبل قيام الثورة منحها المللك فاروق احد الالقاب الرسمية وهو لقب (صاحبة العصمة ).. كما كرمها بوسام الكمال عقب غنائها مقطع خاص به في اغننية (يا ليلة العيد )..لم تنتهي علاقتها بالسلطة بعد قيام الثورة وجلاء المللك ..بل بذكائها الاجتماعي وطدت علاقاتها برجال السلطة في عهد عبد الناصر..هذا ما جعل عبد الناصر يتدخل شخصيا بإعادة اذاعة اغانيها بعد منعها من قبل ضابط بمجلس قيادة الثورة..والذي تصرف بذلك بقرار فردي.. متخيلا انه بذللك سيرضي الرئيس وحاشيته لأن كوكب الشرق كانت محسوبة علي الملك ونظامه آنذاك.

السبت، 7 سبتمبر 2013

مشاهير السياسة والفن والصحافة و الزواج الثاني


يبدو أن بعضاً من مشاهير السياسة والفن والصحافة، ومنهم الرئيس الراحل أنور السادات ومحمد التابعي وحسين فهمي ومحمد عبد الوهاب والمشير عبد الحكيم عامر وسواهم، كانوا مقتنعين بأنه (لا خير في الحبيب الأول) وأن الزواج الثاني هو الحب الحقيقي! عندما التقى السادات والسيدة جيهان لأول مرة كان الرجل مطارداً من (البوليس السياسي) قبل ثورة 23 يوليو وبالتحديد في الأربعينات من القرن الماضي، أيامها كان السادات متهماً في حادث اغتيال السياسي أمين عثمان، ويختبئ في منزل صديقه الضابط حسن عزت في مدينة السويس.

امرأة هزت مصر!
ورغم فارق السن بينهما استطاع السادات المغامر أن يستحوذ على قلب جيهان ذات الستة عشر ربيعاً، فقد أدركت بحدس الأنثى الصائب أن الرجل ينتظره مستقبل حافل، وكانت جيهان معروفة بطموحها الذي لا يحده حد، فلما فاتحها في أن تكون (زوجته الثانية) وافقت بلا تردد! والغريب أن السادات كان يعترف دائماً على نطاق ضيق بأن جيهان هي التي صنعت منه زعيماً، وكان يقول عن زوجته الأولى إقبال ماضي: لقد تمنيت دائماً أن تشاركني إقبال حياتي وأحلامي لكنها لم تستطع أبداً أن تفهمني، فلقد كانت وهي (ابنة عمدة) أمية لا تقرأ ولا تكتب.
ويقال إنه لولا نصيحة جيهان للسادات عام 1971 لكان الرجل قد أعدم في ميدان عام، فعشية (ثورة التصحيح) في مايو من تلك السنة كانت (مراكز القوى) كما أسماها السادات تخطط لاعتقاله في القصر الجمهوري، وكان الرجل على علم بما يدبره له علي صبري لكنه آثر الانتظار من أجل أن (تتكشف الأمور) غير أن جيهان نصحته أن (يتغدى بهم قبل أن يتعشوا به) وقد كان، فاهتزت مصر كلها جراء ما حدث ونجا السادات من موت محقق!
حب من أول نظرة
أما برلنتي عبد الحميد فقد كانت سبباً مباشراً في النهاية المأساوية للمشير عبد الحكيم عامر، الذي وقع في حبها وتزوجها سراً رغم أنه كان متزوجاً من إحدى قريباته، وظل هذا الزواج الثاني سرياً حتى وفاة المشير في ظروف غامضة عام 1967، وبعدها انكشف الزواج عندما ذهبت برلنتي لأهل المشير تطالبهم (بميراثها)! ولكن نبدأ من البداية، عندما تعرف عبد الحكيم عامر إلى برلنتي عبد الحميد لأول مرة في دمشق عام 1959، وكانت (برلنتي) تزور سوريا مع مجموعة من الفنانين المصريين فشاهدها المشير في مبنى الإذاعة السورية.
وخلال أيام قليلة قام رجال المشير بترتيب لقائه الثاني معها في حفلة أقيمت بشقة بالزمالك، وعاد الرجل خصيصاً إلى القاهرة من أجل لقاء محبوبته، فاستطاعت (برلنتي) بجمالها الصارخ أن تستولي على حياة الرجل وليس قلبه فحسب، لكنه رفض إعلان زواجه بها خوفاً من غضب الرأي العام وحرصاً على مشاعر زوجته الأولى، رغم اعترافه بأنه لم يحب قبل (برلنتي).. ولا بعدها! والغريب أن ما توقعه المشير في حياته حدث بعد وفاته، فقد أكدت تقارير محكمة الثورة بعد نكسة 1967 أن المشير كان يسهر ليلة 5 يونيو في فيلا تمتلكها زوجته الثانية، وأثارت هذه التقارير وقتها غضب المصريين بشدة، فربما يغفر البعض للمشير تقصيره العسكري لكن أحداً لم يغفر له على الإطلاق مغامرته العاطفية.
أنت قليل الأدب!
ومن مشاهير السياسة إلى نجوم الفن، ومن أشهر قصص الزواج الثاني في الوسط الفني المصري زواج الموسيقار محمد عبد الوهاب من السيدة نهلة القدسي، فقد كان عبد الوهاب قبلها متزوجاً من السيدة إقبال نصار، التي تعرف عليها في مصيف رأس البر وهناك تزوجا، ودام الزواج 12 عاماً بالتمام والكمال، ولكن نهلة القدسي جعلته يضحي بكل هذه الأعوام في سبيلها.
التقى عبد الوهاب بزوجته الثانية لأول مرة في فندق (بريستول) بدمشق، وكان عبد الوهاب في زيارة للعاصمة السورية بغرض الاستشفاء، وجاءت نهلة مع إحدى قريباتها من معارف عبد الوهاب لزيارته في المستشفى، بحضور بعض معجبي الموسيقار الراحل الذين تحلقوا حول سريره، وعندما رأى عبد الوهاب نهلة انتفض واقفاً من فراشه، وقال لمعجبيه: إن صحته أصبحت فجأة مثل (الحصان)! ومن الطريف أن نهلة التي كانت ترتدي نظارة سوداء أرادت أن تهرب من نظرات عبد الوهاب النافذة، لكنه أصر على أن تخلع نظارتها فوراً بدعوى التأكد من أنها ليست (حولاء) ووسط ضحكات المعجبين غضبت نهلة من عبد الوهاب قائلة له بحدة: (أنت قليل الأدب)! ولم تمض عدة أيام على هذه الواقعة حتى تزوج عبد الوهاب من نهلة، التي استطاعت أن تحكم سيطرتها على قلبه وعلى عقله فيما بعد، فلم يكن عبد الوهاب يفعل شيئاً دون أن يأخذ رأيها في كل كبيرة وصغيرة، لتصبح بمثابة (القلب المفكر) حسب تعبيرها للموسيقار الراحل.
ولكن الصحافي الكبير محمد التابعي كان له مع زوجته الثانية السيدة هدى التابعي حكاية أشبه بأفلام السينما، ففي أوائل الخمسينات كان التابعي يكتب قصة عن المطربة الراحلة اسمهان على حلقات في صحيفة (أخبار اليوم) وكانت هدى من كبار المعجبات بأسمهان فاتصلت به تليفونياً في مكتبه لتوجه له انتقادات قارئة إلى كاتب، وأصر الرجل بذكاء أن تحادثه هدى هاتفياً ليعرف رأيها في كل حلقة، واستمرت علاقة الصداقة عبر الأسلاك بضعة اشهر دون أن يراها وجهاً لوجه.
وكان التابعي في تلك الأيام مطلقاً بعد زيجة قصيرة من الفنانة زوزو حمدي الحكيم، وكان معروفاً بلقب (دون جوان الصحافة العربية) وله معجبات كثيرات في كل أنحاء الوطن العربي وأوربا، وتستكمل السيدة هدى القصة قائلة: ودعاني التابعي إلى زيارته في مكتبه فترددت في البداية، ثم تمت الزيارة بصحبة شقيقي ولكن في منزل الأستاذ في الزمالك، واستقبلنا أمير الصحافة على الباب بابتسامته المعروفة، وانبهرت به من أول لحظة! تضيف هدى التابعي: وكان عمر الأستاذ وقتها 55 عاماً أما عمري فكان 17 سنة فقط، ورغم فارق السن إلا أنني شعرت أنني أمام شاب لم يتجاوز الثلاثين، فقد كان الذكاء والشباب يشع من كل قسمات وجهه الجميل، وأنا أتذكر جيداً أنه عندما طلب الزواج منى قلت له إن عندي (قطاً) صغيراً لا أتصور أن يمر يوم دون أن أراه، وأنا خائفة أنك تريد أن تتزوجني لأنك تعودت فقط على رؤيتي. . والغريب في الأمر أن وجهة نظري هذه أعجبت التابعي! وتم زواج التابعي والسيدة هدى في مطلع عام 1952، وكانت أم كلثوم هي الفنانة الوحيدة التي حضرت عقد القران، ودام الزواج نحو 10 أعوام من (السعادة) حسب قول السيدة هدى حتى وفاة التابعي عام 1962، وما زالت أرملته تعيش على ذكرياته.
محبة بعد عداوة
أما زواج فؤاد المهندس وشويكار فكان حديث الناس وقتها، فقد كان المهندس خارجاً من زيجته الأولى الفاشلة محطماً، بعدما خاب ظنه في أن الزوجة (ربة البيت) هي الأنسب لحياة الفنان غير المنضبطة، وظل الرجل راضياً بحياة العزوبية حتى ظهرت شويكار في حياته، وكان اللقاء الأول بينهما غريباً وكوميدياً، إذ نشبت بينهما في كواليس مسرح الريحاني مشادة ساخنة، قال المهندس إنها كانت تقذفه خلالها بكل أفراد (عائلتها) ومن المعروف أن لقب شويكار هو (طوب صقال)! وجاءت المحبة بعد العداوة فعرض المهندس على شويكار الزواج فوافقت بعد تردد، وأصبح هذا الزواج حديث الوسط الفني كله، فلم يكن أحد يتوقع أن ترتبط هذه الفاتنة ذات الأصل التركي التي تنطق القاف (كافاً) بالمهندس، إلى حد أن صحافياً معروفاً تساءل مندهشاً على صفحات الجرائد وقتها: كيف يفوز هذا الرجل الذي يلبس (نظارة كعب كوباية) بهذه القطة السيامية؟! ورغم أن الجميع كانوا يتوقعون فشل هذه الزيجة مبكراً إلا أن شويكار والمهندس استطاعا أن يحافظا على السعادة الزوجية أكثر من 15 عاماً، وأن يصبحا أشهر ثنائي كوميدي في تاريخ الفن العربي على مدى عقدين من الزمن تقريباً.
ونتوقف أخيراً مع حكاية زواج الفنان حسين فهمي والنجمة ميرفت أمين وهي الزوجة الثانية أيضاً في حياته، بعد زوجته الأولى السيدة نادية عصمت أم ابنيه (محمود) و(نائلة) والتي يؤكد النجم الوسيم أنها كانت (زيجة صالون) وأن أهله هم الذين ضغطوا عليه للزواج منها عندما أراد السفر إلى أمريكا لدراسة السينما، فأرادت أسرته أن يكون (محصناً) ضد فاتنات هوليود، وحينما انتهت الدراسة وآن أوان العودة إلى مصر فضلت زوجته الأولى البقاء مع طفليها في أمريكا وطلبت منه الطلاق.
وبعد وقت قصير تعرف حسين فهمي على النجمة الشابة آنذاك ميرفت أمين، أثناء تصوير أحد الأفلام في بيروت عام 1972م، ونشأت بينهما واحدة من أجمل قصص الحب في تلك الأيام، ومن طريف ما يحكى أن (ميرفت) هي التي عرضت على (حسين) أن يتزوجها حتى تقطع الطريق على الشائعات التي ترددت أيامها خصوصاً وأن النجم الكبير كان معروفاً بكثرة معجباته، وعندما رفض الرجل في البداية إعلان الخطوبة أصيبت (ميرفت) بانهيار عصبي ودخلت المستشفى! ولولا تدخل النجمة شويكار للصلح بينهما لما تم هذا الزواج، الذي أثمر الطفلة (منة الله) ويعترف حسين فهمي بأن ميرفت أمين هي الوحيدة التي أحبها حقاً في حياته من بين كل من عرفهن من النساء!

علاقة رؤساء مصر بجهاز المخابرات العامة





علاقة رؤساء مصر بجهاز سيادي خطير له وضع خاص في الدولة المصرية وإعني به الجهاز المخابرات العامة



يعتبر صلاح نصر أشهر رئيس للمخابرات المصرية وله دور بارز في رفع شأن المخابرات العامة المصرية فقد تم في عهده العديد من العمليات الناجحة، تمنت أسرته المتوسطة الحال أن يصبح طبيباً لكنه فضل أن يدخل المدرسة الحربية ليتخرج ضابطاً.
المولد والنشأة

ولد صلاح نصر في 8 أكتوبر 1920 في قرية سنتماي، مركز ميت غمر، محافظة الدقهلية وكان والده أول من حصل من قريتهم على تعليم عال، وكان صلاح أكبر أخوته لذا كان مميزا كابن بكر بالنسبة لأبيه وأمه. وتلقى صلاح تعليمه الابتدائي في مدرسة طنطا الابتدائية وتلقى تعليمه الثانوي في عدة مدارس نظرا لتنقل أبيه من بلدة لأخرى فقد درس في مدارس طنطا الثانوية، وقنا الثانوية، وبمبة قادن الثانوية بالقاهرة، ونشأ في طبقته الوسطى وأمضى طفولته وصباه في مدينة طنطا، وكانت أول هدية حصل عليها من أبيه كاميرا تصوير ماركة «نورتون» ثمنها اثنا عشر قرشا عام 1927.
دخوله إلى الكلية الحربية

بين عامي 1935 و1936 كان صلاح نصر يدرس في محافظة قنا جنوب مصر وتعرف كثيرا على الصعيد وبهرته أسوان والأقصر ودندرة وأدفو وكوم أمبو، وبعد عام في قنا عاد مع والده إلى القاهرة لينهي دراسته الثانوية ويلتحق بالكلية الحربية في دفعة أكتوبر عام 1936 ولم يكن والده مرحبا بدخوله الكلية الحربية.

ومرت في هذا الوقت أحداث عديدة عاصرها صلاح نصر وتأثر بها ومنها نشوب الحرب العالمية الثانية والوزارة الائتلافية ووزارة حسين سري وحادث 4 فبراير عام 1942 والأحكام العرفية وانقسام الوفد وكتابة مكرم عبيد للكتاب الأسود ضد النحاس وإقالة وزارة النحاس واغتيال أحمد ماهر ثم قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين وحرب 1948 وعودة الوفد للحكم.

كانت الحياة السياسية في مصر مضطربة في ذلك الوقت، والشباب ثائر يبحث عن دور، وكان صلاح نصر صديقاً لعبد الحكيم عامر منذ عام 1938 أثناء دراستهما في الكلية الحربية، وفي أحد لقاءات عامر ونصر، فاتحه عامر بالانضمام إلى تنظيم الضباط الأحرار فتحمس صلاح نصر للفكرة وانضم إلى التنظيم، وكان جمال عبد الناصر يدرس لهم مادة الشؤون الإدارية في الكلية الحربية.

وليلة ثورة 23 يوليو عام 1952 قاد صلاح نصر الكتيبة 13 التي كان فيها أغلب الضباط الأحرار وعينه عبد الناصر في 23 أكتوبر عام 1956 نائبا لرئيس المخابرات وكان علي صبري مديرا للمخابرات، وكان زكريا محيي الدين مشرفا على المخابرات والمحرك الفعلي لها لانشغال علي صبري بإدارة أعمال مكتب عبد الناصر، ثم عينه رئيسا للمخابرات العامة المصرية في 13 مايو عام 1957 وعين علي صبري وزيرا للدولة وزكريا محيي الدين وزيرا للداخلية. وهكذا بدأ صعود صلاح نصر.

تم اعتقاله وقدم استقالته ثلاث مرات، وكانت الاستقالة الأولى نتيجة استقالة المشير عامر عام 1962 لأن صلاح نصر انحاز للمشير على الرغم من أن صلاح نصر كان وسيطا نزيها في التعامل بين الصديقين ناصر وعامر وهو الذي أقنع عامر بالعودة، والاستقالة الثانية كانت بسبب قضية الأخوان المسلمين حيث كان عبد الناصر يريد أن يوكلها للمخابرات العامة، ،وقد تم الحكم عليه بعد انتحار أو قتل عبد الحكيم عامر بالمؤبد.
بداية عمله في المخابرات

في 23 أكتوبر 1956 استدعاه جمال عبد الناصر وطلب منه أن يذهب إلى المخابرات العامة ليصبح نائباً للمدير. وكان المدير وقتها هو علي صبري. وبعد عدة شهور أصبح علي صبري وزير دولة. وتولى صلاح نصر رئاسة الجهاز في 13 مايو عام 1957، والمعروف أنه كان مديراً لمكتب عبد الحكيم عامر نائب جمال عبد الناصر وقائد قواته المسلحة.
دوره في بناء المخابرات المصرية

كان بناء جهاز المخابرات المصرية يحتاج تكاليف باهظة من المال والخبرة والأخطر من ذلك هو توفير كفاءات بشرية مدربة تدريبا عاليا وكانت التدريبات هي أولى المشكلات التي واجهها الجهاز الوليد واستطاع صلاح نصر باتصالاته المباشرة مع رؤساء أجهزة المخابرات في بعض دول العالم أن يقدموا عونا كبيرا، تحفظ صلاح نصر الوحيد كان الخوف من إرسال البعثات إلى الخارج بإعداد ضخمة حتى لا تستطيع أي من أجهزة المخابرات في العالم اختراق الجهاز مع نشأته أو زرع بعض عملائها به. فاكتفى صلاح نصر بإرسال عناصر من كبار الشخصيات داخل الجهاز بإعداد قليلة لتلقى الخبرات والعودة لنقلها بدورهم إلى العاملين في الجهاز.

واستطاع الجهاز بمجهوده الخاص أن يبحث عن المعدات الفنية التي مكنته من تحقيق أهدافه وقام صلاح نصر بالتغلب على مشكلة التمويل حين قام بإنشاء شركة للنقل برأسمال 300 ألف جنيه مصري تحول أرباحها لجهاز المخابرات، وحين اخبر صلاح نصر جمال عبد الناصر بأمر هذه الشركة طلب منه زيادة رأسمالها واتفق معه على أن يدفع من حساب الرئاسة 100 ألف جنيه مساهمة في رأس المال على أن يدفع عبد الحكيم عامر مبلغا آخر من الجيش وتقسم أرباح الشركة على الجهات الثلاث.

اهتم صلاح نصر بعد ذلك بتحديد أنشطته ومهامه الرئيسية خاصة وان المخابرات الحربية تتبع القائد الأعلى للقوات المسلحة والمباحث العامة لها دورها الآخر في الأمن الداخلي. إذن كانت مهمة المخابرات الوحيدة جمع المعلومات وتحليلها وتقديمها لصانع القرار. إسرائيل كانت هما شاغلا لهذا الجهاز منذ تأسيسه فصلاح نصر منذ اللحظة الأولى له في المخابرات جمع كل ماكتب عن إسرائيل والموساد وقرأته حيث قامت المخابرات في هذه الفترة بأهم عملياتها ضد إسرائيل تلك العمليات التي أصبحت فيما بعد تدرس في معهد المخابرات الدولية من أشهر تلك العمليات وأهمها عملية القبض على فولفغانغ لوتز في عام 1965.
مؤلفاته
الحرب النفسية - الجزء الأول: معركة الكلمة
الحرب النفسية - الجزء الثاني: معركة المعتقد
تاريخ المخابرات - الجزء الأول: حرب العقل والمعرفة
تاريخ المخابرات - الجزء الثاني: الحرب الخفية
الحرب الشيوعية الثورية
مقالات سياسية
مذكرات صلاح نصر - الجزء الأول: الصعود
مذكرات صلاح نصر - الجزء الثاني: الانطلاق
مذكرات صلاح نصر - الجزء الثالث: العام الحزين
مذكرات صلاح نصر - الجزء الرابع (تحت الطبع)
عملاء الخيانة وحديث الإفك
الحرب الاقتصادية في المجتمع الإنساني
عبد الناصر وتجربة الوحدة
ثورة 23 يوليو بين المسير والمصير
أوراق صلاح نصر (تحت الطبع)

أمر الرئيس المصري جمال عبد الناصر باعتقال صلاح نصر وقدمه للمحاكمة وأدانه في قضية انحراف المخابرات بالسجن لمدة 15 سنة وغرامة مالية قدرها 2500 جنيه مصري، وحكم عليه أيضا لمدة 25 سنة في قضية مؤامرة المشير عبد الحكيم عامر. لكنه لم يقض المدة كاملة، إذ أفرج عنه الرئيس المصري أنور السادات في 22 أكتوبر 1974 ضمن قائمة أخرى وكان ذلك بمناسبة عيد النصر. كانت لممارساته اثرا سلبيا واضحا عملت على تشويه صورة النظام المصري ممثلا بجمال عبد الناصر، وذلك نتيجة القمع والارهاب الذي عاشه الشعب المصري تحت رحمة زوار الفجر بالإضافة إلى ما يقال عن انحرافاته وممارساته الشاذه والتي روتها زوجته بالاكراه اعتماد خور شيد
وفاته

كان مدير المخابرات المصرية صلاح نصر على موعد مع أزمة صحية مفاجئة فقد سقط في مكتبه في صباح 13 يوليو عام 1967 مصابا بجلطة دموية شديدة في الشريان التاجي، هزت تلك الأزمة الصحية صلاح نصر من الأعماق فهو لم يكن يتوقع أن يداهمه المرض بكل هذه القوة وهو في مكتبه الخاص في جهاز المخابرات العامة، وبقى مع معاناته مع المرض إلى أن توفي عام.


الثلاثاء، 3 سبتمبر 2013

وردة الجزائرية وأزمتها مع نظام عبد الناصر

في مطلع الستينات وأيام الوحدة بين مصر وسوريا كان المشير عبد الحكيم عامر وزير الحربية وقتها عائد لدمشق بعد رحلة إلى مصيف بلودان. وفي الطريق، كانت وردة الجزائرية في طريقها إلى دمشق ولكن سيارتها تعطلت فأمر المشير بتوصيل السيدة الي المكان الذي تريده. كانت وردة الجزائرية حينئذ غير معروفة في مصر ولكنها عرفت بنفسها أثناء الحديث وألحت أن ننقل للمشير رغبتها في مقابلته لتقدم له الشكر. حضرت وردة الجزائرية بالفعل إلى استراحة المشير عبد الحكيم عامر في منطقة أبو رمانة بدمشق. كان اللقاء في وضح النهار ولم يكن المشير وحده وإنما كان معه في الاستراحة أنور السادات واللواء أحمد علوي وعبد الحميد السراج.

وصل تقرير سري لهذه المقابلة إلى مكتب الرئيس عبد الناصر وانتشرت الإشاعات وقتها بوجود علاقة بين وردة وبين المشير. وزادت حدة الشائعات لأن وردة ذاتها انتهزت فرصة لقائها بالمشير عامر وحاولت استغلالها لصالحها بعد مجيئها للقاهرة وبدأت توهم المحيطين بها بأنها على علاقة بالمشير وأنها تتصل به هاتفيا. كانت وردة في بداية مشوارها الفني بالقاهرة وراحت تستخدم أسلوب الترغيب والترهيب حتى يتقرب منها أهل الفن فربما يتعرفون على المشير وينالون رضاه من خلالها وأن تخيف كل من يعترض طريقها بعلاقتها المزعومة بالمشير.
أدى هذا إلى قيام أجهزة المخابرات بالتحقيق حول هذه الشائعة ومصدرها حتى اتضح أن وردة ورائها. مما أدى إلى صدور قرار بإبعادها خارج البلاد ومنعها من دخول مصر. ولم ترجع إلى مصر إلا في مطلع السبعينيات خلال حكم الرئيس السادات.

السبت، 31 أغسطس 2013

نهاية المشير عبد الحكيم عامر قائد الجيش المصرى فى النكسة أنتحر أم نحر



الأسباب الخفية لنكسة 1967

سمير الجمل

يقول محمد حسنين هيكل: «بالنسبة للجيش المصري فان حرب اليمن كانت تجربة قاسية لم تقتصر قسوتها على مجرد توزيع قواته على مسرحين يفصل بينهما أكثر من ألفي كيلومتر وانما الأقسى من توزيع القوات ان المسرح الساخن في البداية وهو اليمن قد أعطى القوات المسلحة دروسا خاصة تضر أكثر مما تفيد!».

ولا يبتعد هذا الكلام عما جاء على لسان الفريق الشاذلي، الذي كان قائدا للواء ولمدة عام.

وعند الفصل الخامس من كتاب «البحث عن الذات» لأنور السادات يكشف الجزء الثامن من هذا الفصل وجهة نظر أخرى عن حرب اليمن تكتمل بها الصورة من جوانبها العديدة، ويعترف قائلا: «كنت أنا المسؤول عن الناحية العسكرية ولكنه كعادته أساء التصرف فبدلا من ان يجعل من حرب اليمن ميدانا لتدريب قواتنا على حرب العصابات وعلى تكتيكات جديدة انقلبت الحرب الى تجارة ومنفعة وأصبحت مسرحا جديدا يثبت عليه عامر أقدامه وينشر نفوذه بحيث لا يستطيع أحد ان يزحزحه عن مكانه كمركز القوة الأول في مصر، هذا الى جانب تورطه في المعونة العسكرية من لواء الى لواءين الى ان أصبح لنا في يوم من الأيام 70 ألف جندي هناك لم يتم سحبهم الا بعد هزيمة 1967 عندما اتفق الملك فيصل مع عبدالناصر على ذلك في مؤتمر الخرطوم فشلت حرب اليمن عسكريا فقد كنا نحارب بجيش نظامي عدوا متمرسا في حرب العصابات، ولكن رغم كل شيء لا أستطيع القول بان تضحياتنا ذهبت هباء فاليمن قد تخلص من حكم الامام الذي كان أسوأ من أي حكم في العصور الوسطى ثم ان عدن نالت استقلالها كنتيجة طبيعية لمعركتنا في اليمن، صحيح ان الحرب قد استنفدت جزءا كبيرا من رصيدنا من العملات الصعبة وأنها أعاقت فرقتين من أكفأ الفرق العسكرية عندنا عن الاشتراك في حرب 67، ولكن هذا كله لا ينفي ان التدخل في ثورة اليمن كان ضربة سياسية لابد منها...».

الطريق إلى النكسة

عندما عاد الشاذلي من اليمن التحق بهيئة التدريب، ولم يكن هناك في الأفق ما يلوح أو ينذر بحرب مقبلة مع اسرائيل كما يقول حتى الى ما بعد شهر ابريل عام 1967، وقتها كان عبدالحكيم عامر هو نائب القائد الأعلى، والقائد العام، ولهذا عين شمس بدران وزيراً للحربية وجاءت الأخبار عن حشود اسرائيلية على الحدود السورية وسافر الفريق محمد فوزي وكان وقتها رئيس أركان الحرب الى هناك لكي يشهد الموقف على الطبيعة، وكان الشاذلي في هذا الوقت قد رفع الى رتبة اللواء ولكنه من غير أفراد المطبخ العسكري كما قال وعندما وصلته التعليمات وكان مطلوباً ان ينفذها في وقت قياسي أبدى استغرابه لذلك، خاصة ان قوات كبيرة كانت لاتزال في اليمن واستراتيجياً ليس من الواجب فتح جبهتين في وقت واحد ومع ذلك كان القرار من القيادة العليا وعلينا الامتثال، وكانت الخطورة ان أغلب قادة الجيش في هذا الوقت لديهم شحنات بالغة من كراهية اسرائيل، من حارب عام 1948، أو شارك في العدوان الثلاثي لكن هذا الشحن ذهب في اتجاه اليمن وليس اسرائيل أولاً.

ويمكن ان نلخص الوضع قبل حرب 67 بما جاء على لسان الرئيس الراحل أنور السادات، خاصة ان الشاذلي لا يحب الكلام عن أمور لم يكن طرفاً فيها أو شاهداً عليها.

يقول السادات: كانت الأجواء في عام 1967 تتسم بالكآبة ومصر مفلسة ومشاكل الخدمات التي أجلها رئيس الوزراء علي صبري متراكمة منذ عام 1962 والصراع بين عبدالناصر وعبدالحكيم تصاعدت وتيرته وفي يوم جمعة من شهر فبراير من ذلك العام ذهبت لزيارة عبدالناصر على غير موعد فسألت الضابط المختص ان كان الرئيس قد استيقظ أم لا؟، فأخبرني انه في غرفة مكتبه فدخلت عليه ووجدته يجلس وقد وضع رأسه بين يديه حزيناً مهموماً وقفت أراقبه حوالي دقيقتين ثم فاجأته بسؤالي: جرى ايه يا جمال؟، مالك؟

التفت اليّ في دهشة فقد كان واضحاً انه لم يحس بدخولي الحجرة وقال:

ايه اللي جابك النهاردة يا أنور؟

قلت: النهاردة الجمعة وأنا لي مدة لم أرك قلت أفوت عليك ندردش سوا وأنا عارف أنك يوم الجمعة بتبقى لوحدك.

قال لي: والله عملت طيب.. أقعد.

جلست وسألته مرة أخرى: مالك شايل الدنيا على دماغك ليه يا جمال؟

قال: يا أنور البلد بتحكمها عصابة وأنا مستحيل أكمل بهذا الشكل أكون أنا المسؤول وعبدالحكيم ينفذ ما يريد، الأفضل لي ان أترك منصبي وأجلس في الاتحاد الاشتراكي ويتولى هو رئاسة الجمهورية ومستعد للتحقيق معي عن الفترة التي توليت فيها.

والسادات يرمي بمسؤولية فشل الوحدة بين مصر وسورية على أكتاف عبدالحكيم، وبعد أيام عرف ان حكيم أرسل شمس بدران الى عبدالناصر يطلب رئاسة وزراء مصر وبذكاء طلب منه ان يترك الجيش مقابل ذلك، قال عبدالناصر ذلك وهو يعرف مقدماً ان عبدالحكيم لن يفرط في منصبه العسكري.

وفي اجتماع ضم زكريا محيي الدين وعبدالحكيم عامر وحسين الشافعي وعلي صبري وصدقي سليمان رئيس الوزراء في هذا الوقت، وأيضاً السادات الذي يحكي:

قال لهم جمال عبدالناصر: حشودنا في سيناء تجعل الحرب محتملة بنسبة 50 في المئة أما اذا أغلقنا المضايق فالحرب مؤكدة مئة في المئة، ثم التفت الى عامر وسأله:

هل القوات المسلحة جاهزة يا حكيم؟

فوضع عامر يده على رقبته وقال: برقبتي يا ريس كل شيء على أتم الاستعداد.

ويكمل السادات مؤكداً ان تسليح مصر كان قوياً بالفعل وقد سألنا عبدالناصر عن اغلاق المضايق ووافقنا جميعاً على اغلاقها باستثناء صدقي سليمان الذي طلب التروي وان نأخذ في الاعتبار حالتنا الاقتصادية والخطط التي توقفت بسبب منع المعونة الأميركية، ولم يهتم عبدالناصر بذلك وكان ميالاً لاغلاق المضايق حتى يوقف مزايدات العرب عليه وحتى يحتفظ بمكانته الكبيرة في الأمة العربية، وبهذا أصدر أوامره باغلاق المضايق وسحب قوات الطوارئ الدولية.

ويقول الشاذلي كيف كانت عمليات حشد القوات المصرية تتم بطريقة استعراضية، أشبه بالمظاهرة بينما الحرب تقوم على السرية، ويؤكد ان خطة حشد القوات في العريش ورفح مرتبكة لا هي هجومية ولا دفاعية، والتخطيط العسكري في مجمله كان عشوائياً، وأفضل ما يجيب على هذه التفاصيل الفريق محمد فوزي رئيس الأركان، ولكني عندما أتحدث عن التخبط وقد لمسته، عندما استدعاني الى القيادة في منتصف مايو والأوامر التي تصدر حائرة، تمركز هناك تحرك هناك الى الشمال، الى اليمين، حتى قطعت سيناء بأكملها ذهاباً واياباً وهذا ما يؤدي الى استهلاك الدبابات وانهاك القوات، وحيث انني كنت في هيئة التدريب وهي جهة ليس لها قوات تم انتدابي وشكلت مجموعة عمليات خاصة من بعض وحدات منها كتيبة مشاة وكتيبة صاعقة وكتيبة دبابات، وأصبحت أنا قائدها وكانت تتبع قيادة سيناء مباشرة برئاسة الفريق صلاح محسن وهذه المجموعة التي شكلتها عرفت بعد ذلك في الدراسات العسكرية بمجموعة الشاذلي وخلال 10 أيام تغيرت المهام المكلف بها 3: 4 مرات حتى استقر بي المقام لحراسة المنطقة الموجودة بين المحورين الأوسط والجنوبي في سيناء.

وللتوضيح فان سيناء لها 3 محاور، المحور الشمالي من القنطرة ثم يميل بجوار الساحل الشمالي الى العريش ورفح وغزة والطريق الأوسط الذي ينطلق من الاسماعيلية في اتجاه الحسنة وبير سبع، والمحور الجنوبي من منطقة الشط والسويس ويتجه غرباً الى نخل والتمد والحدود الاسرائيلية والمسافة واسعة بين المحور الجنوبي والأوسط وكانت هناك مخاوف ان العدو اذا أراد الهجوم فسينطلق من المحور الرئيس على طريق الاسفلت عبر الأراضي المفتوحة ثم يحاول الاختراق من المنطقة التي أقوم بحراستها، والأمر لا يتوقف هنا على عدد القوات الموجودة معي، لكن على طريقتي في توظيفها وكيفية مواجهة العدو.

وفي يوم 4 يونيو وصل ضابط اتصال من القيادة في سيناء وأخبرني أنني مطلوب في الثامنة صباحاً، حيث سيصل المشير عبدالحكيم عامر ليلتقي بالقادة وأنت منهم.

وكان مكان الاجتماع مع المشير في مطار فايد وهو ما يحتاج الى 5 ساعات حتى أصل الى هناك لان الطرق وعرة وأخبروني بان طائرة هليوكوبتر ستصل في السادسة صباحاً لكي تأخذني أي أنني في صباح يوم الحرب 5 يونيو وفي الاجتماع أو المؤتمر وجدت القادة ومنهم عبدالعزيز سليمان وعبدالقادر حسن وصلاح محسن وقادة من أسلحة المدرعات والمدفعية، ومن الطبيعي ونحن زملاء في لقاء مثل هذا ان نتبادل الأحاديث الودية والسلامات انتظارا لوصول المشير، ولكن فجأة سمعنا صوت انفجارات ووجدنا المطار الذي نحن فيه ينفجر وقد تم ضربه، تصور معظم القادة هنا، والجيوش وحدها واسرائيل تضرب، هل هي صدفة؟، أم أنها مدبرة؟ الى هذا الحد، والمفترض ان طائرة المشير في الجو والمدفعية عندها علم بذلك أي ممنوع الضرب، وكان بامكان اسرائيل لو عرفت بوجود كل القادة في هذا الاجتماع ان تضربهم جميعاً بضربة واحدة وتصبح القوات بدون رأس وهي مجرد جسد وعرفنا ان مطارات عدة في أنحاء مصر يتم ضربها في التو واللحظة.

انها أمور تحتاج الى بحث وتثير علامات الاستفهام وكان ذلك في الثامنة صباحاً وكان ضرورياً ان يعود كل قائد الى موقعه وسط جنوده، أخذوا سياراتهم وانطلقوا الا أنا لابد لي من طائرة لكن كيف تطير في هذا المناخ وقد سيطرت اسرائيل على الوضع جوياً، وقد تم تدمير أغلب المطارات خلال ساعتين على أكثر تقدير.

أي أننا باختصار خسرنا حرباً لم ندخلها، ولم يكن أمامي الا الركوب بالسيارة مع أقرب قائد لمجموعتي، وحتى هذا الوقت لم نكن نستشعر مدى الكارثة، وكنا نرى الطائرات الاسرائيلية تتجول فوق رؤوسنا ونحن في السيارة، وبعد حوالي 12 ساعة كنت قد وصلت الى معسكر مجموعتي، ولم تكن القوات الاسرائيلية قد اقتربت من المحور الذي أقوم بحراسته وكنت على بعد 20 كيلومترا من الحدود الفلسطينية، ولان الاتصالات شبه مقطوعة وجدت القائد المناوب أو النائب لي يضرب أخماسا في أسداس ولا يعرف ماذا يفعل، لكنه أخذ وضع الاستعداد وحاولت الاتصال بقيادة سيناء وفشلت، وحاولت مع القيادة العامة وفشلت، ثم وجدت الطيران الاسرائيلي يحلق فوق رأسي!!

خارج السياق

أسد الصاعقة (2)

وهنا نستكمل قصة ابراهيم الرفاعي أحد أبطال الصاعقة الكبار وخلف منه دائماً سنجد تعليمات وتعاليم أستاذه الشاذلي.

عندما حدث العدوان الثلاثي على عام 1956 تطوع الضابط ابراهيم الرفاعي ليقود احدى مجموعات الفدائيين التي أرعبت القوات الغازية في مدينة بورسعيد التي ظل يقاتل بها حتى انسحاب قوات العدوان. وبعد نكسة يونيو 1967 عبر الى سيناء ليجمع الجنود والضباط العائدين ويعود بهم. شرع الرفاعي في تكوين مجموعته ويبدأ في مهاجمة العدو بسيناء.

وفي عام 1968 عاد الرفاعي من احدى العمليات ومعه أول أسير اسرائيلي هو الملازم دان شمعون (كان عبدالناصر لا ينام قبل ان يعود الرفاعي من عمليات العبور ويتصل به شخصياً ليطمئن منه على نجاح العملية).

وبعد استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض في 9/3/1969 أثناء تفقده لجبهة القتال طلب الرفاعي الاذن بمهاجمة الموقع الاسرائيلي الذي خرجت منه الطلقة وعبر ورجاله وقتلوا كل من في الموقع .

في يوم 18 أكتوبر تم تكليف مجموعة البطل بمهمة اختراق مواقع العدو غرب القناة والوصول الى منطقة (الدفرسوار) لتدمير المعبر الذي أقامه العدو لعبور قواته. فقد تقدم شارون ومعه 200 دبابة من أحدث الدبابات الأميركية للاستيلاء على مدينة الاسماعيلية.

وعلى ضوء التطورات الجديدة بدأ الرفاعي في التحرك ونظم مجموعة من الكمائن على طول الطريق من جسر «المحسمة» الى قرية «نفيشة»، وما ان وصلت مدرعات العدو حتى انهالت عليها قدائف الـ «آر. بي. جي» لتثنيه عن التقدم.

وأدرك شارون ان أحلامه تبخرت وانه فشل في أداء مهمته بعد ان رأى اشتعال دباباته وسمع صرخات جنود المظلات وهم يطلبون الرحمة. وادعى الاصابة ويربط رأسه ويطلب طائرة هليوكوبتر تنتشله من الجحيم الذي اشتعل حوله ويترك جنوده

وحدهم يواجهون الموت وشراسة أبناء الرفاعي ويفر الجنود اليهود مذعورين بعد معرفتهم بفرار قائدهم ما دفع بعض القادة اليهود للمطالبة بمحاكمة شارون لفراره من أرض المعركة بعد انكشاف كذبة اصابته ولفشله في تحقيق مهمته رغم كل القوة الرهيبة التي وفرتها له القيادة الاسرائيلية.

وتظل الاسماعيلية صامدة حرة

وبينما يخوض رجال المجموعة قتالاً ضارياً مع مدرعات العدو، وبينما يتعالى صوت الأذان من مسجد قرية «المحسمة» القريب، تسقط احدى دانات مدفعية العدو بالقرب من موقع البطل، لتصيبه احدى شظاياها المتناثرة، ويسقط الرجل الأسطوري جريحاً، فيسرع اليه رجاله في محاولة لانقاذه، ولكنه يطلب منهم الاستمرار في معركتهم ومعركة الوطن.


عبد الناصر والمشير عامر وأسباب النكسة










حتى وقتنا هذا يظل الحديث عن الأسباب الحقيقية للنكسة يشغل العامة قبل أساتذة السياسة وسادتها، وتعددت الاراء وتنوعت.. كان من بينها ما كان يردده الرئيس الراحل "عبد الناصر" دائما أنه يستطيع أن يغرق اسرائيل في البحر مما رآه البعض قولا استفزازيا بالنسبة لإسرائيل؛ جعلها تقدم على الهجوم على مصر. ورأى ثان يرى أن السبب الأساسي في وقوع هزيمة يونيو 1967 يتجسد في العلاقة الحميمية بين الرئيس "عبد الناصر" والمشير "عبد الحكيم عامر" قائد الجيش في ذلك الوقت.

وقد دلل البعض على أن "عامر" كان يستغل حب الرئيس "ناصر" له ويهمل في أمور كثيرة تتعلق بالجيش وأن "ناصر" أيضا قد وضع في يد "عامر" مقاليد الأمور التي لم يكن يجوز أن تكون في يد "عامر" مما أدى إلى ضعف شديد في صفوف الجيش نتيجة إهمال "عامر" له؛ مما أدى إلى وقوع النكسة. 

أما الرأى الثالث فكان يؤكد على أن إسرائيل التي بدأت باحتلال فلسطين في 48 ثم هضبة الجولان بسوريا كان من الطبيعى أنها تشن معركة قوية على مصر؛ لأنها وبكل بساطة بدأت في تنفيذ مخططها الصهيوني العالمي الذي يستند إلى مبدأ إسرائيل من النيل إلى الفرات.

الكثير والكثير أثير حول أسباب نكسة يونيو لكن كان علينا أن نأخذ رأي خبراء واستراتيجيين ربما استطعنا معهم أن نصل إلى شئ من الحقيقة.

الأسباب كتير.. اليمن .. الجهل.. والصداقة!
اللواء "صلاح سليم" الخبير الاستراتيجى يقول بأن نكسة يونيو 67 كان لها أسباب كثيرة.. أولها أن مصر كانت قد تورطت في حرب اليمن بشكل خطير أدى إلى وجود أكثر من 70 ألف جندى مصري في اليمن عندما بدأ التوتر المسلح في مايو 67 بين مصر وإسرئيل، والمعروف أن الدول العظمى وحدها هي التي يمكن أن تقاتل في مسرحين في وقت واحد وبخاصة لأنه لم يكن هناك تعاون بين القوات المصرية في اليمن وسيناء لذلك فإن قرار تصعيد الحرب كان سيعد قرارا خاطئا. 

والسبب الثاني كما يقول اللواء "صلاح سليم" كان أن الخطة والتحركات في سيناء لم تكن ضمن التخطيط الأسبق وبالطبع فان هذا كان نتيجة لضعف وجهل عناصر عديدة في القيادة العسكرية التي اختيرت على أساس الثقة والولاء، وليس على أساس الخبرة مثل المشير "عبد الحكيم عامر" وبعض قيادات الجيش. كذلك فإن الجهل بقدرات العدو وأساليب قتاله وتطور تسليمه كان سمه واضحة نتيجة ضعف المخابرات الحربية والاستطلاع في ذلك الوقت.

والسبب الذي يأتي بعد ذلك هو أن موسكو وواشنطن معا حرمتا مصر من بدء الحرب ومنعتا أيضا تنفيذ عملية مصرية محددة كانت معدة للاستيلاء على "النقب الجنوبى "ومدينة" رام الرشراش "المصرية التي تحولت إلى "إيلات" فأوقفت مصر تنفيذ هذه الخطة وانتظرت الضربة الأولى من إسرائيل، وقد كان هذا القرار خاطئا.

وعن علاقة "عبد الناصر" والمشير "عامر" وعلاقتها بوقوع النكسة قال سليم إن "ناصر" كان قد حذر بالفعل من ضربة جوية خلال 48 ساعة. لكن "عبد الحكيم عامر" سخر من هذا التحذير وأمر بتقييد نيران المدفعية المضادة للطيران ليذهب لسيناء ويحمى طائرته وبالفعل فإن إسرئيل قد سخرت من هذا الموقف وفي ضربتين جويتين متتاليتين كانت قد دمرت أغلب الطائات المصرية على الأرض. 

وإلى جانب ذلك فإنه لم يكن هناك إعداد جيد للمعركة وكان الصخب السياسي الإعلامي والجهد الدبلوماسي غير المخطط سببا أساسيا في فقدان المصداقية في الجيش. وأضاف "سليم" أن علينا ألاّ نظلم ضباط وجنود الجيش المصري؛ فقد كان هناك انحراف من بعض القيادات وعدم تحديد للمسئوليات من القيادات العسكرية والسياسية لكن الجيش دائما مدافعا عن أرضه.

الإصلاح الزراعي هو السبب!
اما اللواء "جمال مظلوم" الخبير الاستراتيجى أيضا فيقول إن القيادة السياسية والقوات المسلحة والمجتمع الدولي أيضا كانوا أسبابا حقيقية في حدوث نكسة يونيه؛ فالمجتمع الدولي كان هدفه ضرب مصر حتى لا تتنامى قوتها العسكرية خاصة بعد تحول مصر للتسلح فحاولت الدول الاستعمارية الأساسية بالتعاون مع إسرائيل في هدم تلك القوة المسلحة الجديدة فيما سمى بالعدوان الثلاثي عام 1956 خاصة وأن مبادئ الثورة كانت تعتمد على جلاء الاستعمار والغاء الاستبداد والاقطاع؛ حيث إن الثورة قد أحدثت رجّة على مستوى العالم. 

ويضيف قائلا أما عن القيادة السياسية فيُعاب عليها أنها وضعت نفسها في مازق؛ فالأمور كانت طبيعية حتى النصف الأول من مايو، وبعد ذلك بدأت حالة التوتر بمنع مرور السفن من خليج العقبة وسحب القوات الدولية منه في 11 مايو 67 بعدها في غضون ثلاثة أسابيع جاءت النكسة... لذلك فإن هذا التصعيد يعاب على القيادة السياسية لأنها لم تكن على علم بامكانياتها العسكرية وأيضا لم يكن هناك وفاق بينها وبين القيادة العسكرية على عكس ما كان في حرب 1973 هذا بالإضافة إلى أن القوات المسلحة لم تكن مستعدة للحرب، خاصة وأن الجيش لم يكن قد أفاق من الصدمات التي لحقت به بدايةً من ثورة يوليو 52 ثم العدوان الثلاثى في 56 ثم حرب اليمن التي كان فيها في ذلك الوقت خيرة القوات المسلحة.

أما عن القيادة العسكرية فهي ولا شك كانت منشغلة بأعمال أخرى غير الحرب فقد كان المشير "عامر" يمثل النائب الأول لرئيس في أمور كثيرة كان من بينها على سبيل المثال الإصلاح الزراعى. 

وأخيرا يقول مظلوم إنه كان هناك خداع أو تواطؤ من الاتحاد السوفيتي مع الولايات المتحدة الأمريكية في ضرب مصر، ودليل على ذلك أن الاتحاد السوفيتي كان قد ضلل القوات المصرية عن الأوضاع على الجبهة السورية. 

الفوضى والمظهرية هما السبب! 
أما الدكتور "محمد السيد سعيد" الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية يرى أن اسباب حدوث النكسة فشل دفاعي مريع نتج عن إدارة فوضوية للاقتصاد والمجتمع، وإن العسكريين اهتموا بالمظهريات ولم يعتمدوا على نموذج عقلاني في إدارة الدولة؛ مما نتج عنه بعد ذلك ما سمى "مراكز القوى" فلم تكن هناك وحدة حقيقية في الرؤيا؛ فجاءت القرارات متضاربة وتمثل الحكم في وحدتين... الرئيس على مستوى الدولة والمشير على مستوى الجيش، وقد أتت حالة الوحيدية في اتخاذ القررارات بحالة من الفوضوية وسوء الإدارة. هذا الواقع اتسم بالتشويش وعدم الكفاءة من ناحية اتخاذ التدابير التنظيمية. وأشار "السعيد" إلى أنه كان للصداقة بين "عبد الناصر" و"عامر" تأثر قوي في السيطرة على البلد، وقد أعطى الرئيس "ناصر" لـ"عامر" حقوقا لا يستحقها، خاصة وأن خبراته العقلية كانت لا شيء، وكان يعاني منع عدم الاتزان نتيجة لما كان يتعاطاه من مواد مخدرة بالإضافة إلى أنه لم تكن لديه كفاءة مهنية.

الثلاثاء، 27 أغسطس 2013

هل كانت وردة الجزائرية من أسباب نكسة 67



رغم مرور 44 عاما علي نكسة 1967، فإنه من الواضح أن محبي المغنية وردة الجزائرية، مازالوا يتألمون من الأقاويل التي تردد أن نجمتهم المحبوبة كانت من أسباب نكسة مصر، وأن كثرة دعوتها للمشير عبد الحكيم عامر لحفلاتها الخاصة، كانت من أهم الأسباب التي دفعت الزعيم جمال عبد الناصر لطردها من مصر ومعاقبة المشير بالإقامة الجبرية.

ولكن بعد ثورة 25 يناير، حيث أصبح كل الكلام مباحا، رفض الفيسبوكيون محبو "وردة"، أن تظل تلك الشائعة المغرضة ملصقة بها، فقاموا بالدفاع عنها من خلال إنشاء صفحات تحمل اسم" براءة وردة من قصة المشير عامر ونكسة 1967 بالدليل القاطع"، معلنين من خلالها حقيقة الأمر.

وكتب كل مؤسس لهذه الصفحات المدافعة عن سمعة "وردة"، وردة عادت في أواخر سنة 1963 إلى الجزائر وتزوجت من الرجل السادس في الجيش الجزائري بعد رفض أهلها زواجها من بليغ حمدي لأنهم لا يريدون أحدا من الوسط الفني.

وفي عيد استقلال الجزائر سنة 1972 طلب الرئيس الجزائري من زوج وردة أن يجعلها تغني في هذا العيد فاستجاب لطلبه، وتم إسناد تلحين أغنية "ادعوك يا أملي" التي ستغنيها وردة في هذه المناسبة للملحن رياض السنباطي لكنه كان مريضا فقام الموسيقار بليغ حمدي- الذي تزوجها فيما بعد- بتلحينها وهذه كانت أغنية عودة وردة إلى عالم الغناء.



وبعد الكشف عن هذه الوقائع، يتبين أن وردة لم تكن موجودة أصلا داخل مصر، من الفترة 1963 إلى 1972 أي قبل النكسة بأربع سنوات، وبالتالي كل ما قيل في حقها و مازال بعض الناس يتداولوه باطل.

الأحد، 25 أغسطس 2013

المشير عبد الحكيم عامر وبرلنتي عبد الحميد



«بعض الرجال، سياسيين كانوا أو أدباء، ملوكاً أو رؤساء، عامة أم علماء، أغنياء أم فقراء... لا يستطيعون مقاومة عيون النساء ولالهن، ولا طلعتهن، ولا أصواتهن، وهنّ اللواتي يدخلن إلى القلوب بدون استئذان، فسقط البعض منهم أرضاً من أول نظرة أو كلمة أو ابتسامة، والبعض الآخر بقي يتوهم كالشعراء أن كل امرأة في الدنيا تهيم به وبجماله وبسواد عينيه وأنها لا تستطيع الفرار من بين يديه، فتخلوا عن مبادئ وقيم وعادات وتقاليد وأخلاق من أجل لحظة نشوة وشهوة عابرة، لتظهر خبايا حياتهم التنكرية، التي تحمل ألف وجه ووجه بين ثكنات الحكم والسلطة وبين الجنس، الذي لا ينتهي بعد أن فعلوا أي شيء من أجل رغبتهم الجنسية ومن أجل التخبط في عتمة الليل فوق صدر غانية أو امرأة جميلة أفقدتهم الاحترام وهوت بهم إلى دهاليز النسيان والعالم المجهول، حتى ولو كان ذلك ضد القانون، فقبل البعض منهم أن يكون صفرا، وقبل آخر بأن يكون فاعلا لا مفعولا به. بقيت قصصهم تكبر وتصغر مثل كرة الثلج، منهم من ظلمته الشائعات وأصيب في مقتل، ومنهم من لبس ثوب الحقيقة وعرّى نفسه أمام الجميع دون أن يغطي نفسه بورق التوت، فسقطوا من فوق عروشهم في مستنقعات الرذيلة وحكموا في مواخير الجنس والطرب، حتى أضاع بعضهم حكمه. إنهم ملوك وملكات اختاروا الجنس واللذة على السلطة والحكم.
دخل الحياة السياسية من أوسع أبوابها وأكبر مناصبها وأصبح من الشخصيات الهامة والمرموقة وأقرب المقربين إلى جمال عبد الناصر، لكنه سرعان ما سقط في مستنقع الليالي الحمراء بألاعيب الأصدقاء الكارهين قبل أن يسقط في مستنقع الهزيمة، التي حدثت عام 1967 وأدت به إلى الانتحار، بعد أن أحدثت فجوة كبيرة بينه وبين الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
إنه المشير عبد الحكيم عامر( ولد محمد عبد الحكيم علي عامر في الحادي عشر من ديسمبر 1919 بقرية «اسطال» بمحافظة المنيا بصعيد مصر) أحد رجالات عبد الناصر، الذين أسسّوا معه ثورة يوليوز 1952 التي أطاحت بعرش الملك فاروق وحرّرت مصر من قبضة الانجليز والإقطاع والفساد، وأقرب المقربين إلى عبد الناصر وتوأم روحه، الذي فضله على كل رفاقه من أعضاء مجلس الثورة ودفع به إلى أعلى المناصب في الجيش بعد أن منحه رتبة المشير ونائب القائد العام للقوات المسلحة، وفي هذا يقول عبد الناصر «...كان المشير رجلا طيب القلب شهما كريما، يحمل في نفسه طيبة الفلاح المصري البسيط وصفاء السريرة وملامح الظرفاء، كان رجلا من الأوفياء لمصر ومن صناع تاريخها الحديث، وهب نفسه وحياته لمصر وثورتها إلى أن وقع أسير فئة من المحيطين به، الذين نقلوه من طريق الثورة إلى طريق الضياع، ومن جنود عبد الناصر إلى أعدائه ومن النعيم إلى الجحيم ...
فضيحة في مكتب المشير
كان عبد الناصر يكن احتراما شديدا لصديقه عبد الحكيم عامر، الذي بدأت علاقته به في منقباد سنة 1947 لحظة الخدمة العسكرية واستمرت تلك العلاقة حتى هزيمتهما في حرب 1967، يقول محمد حسنين هيكل في كتابه (الانفجار) «.. كان يبدو على عبد الناصر حبّه الشديد لعبد الحكيم وكان حبه هذا قد أفسد عامر ومن حوله الضباط، فقد أخذ عبد الحكيم يدللهم كثيرا حتى تحوّل رجال مكتبه إلى تجار ومهربين، فكانوا يأتون بالبضائع (ثلاجات وأجهزة تكييف وتلفزيونات) من اليمن ويبيعونها في السوق السوداء في القاهرة، الشيء الذي أثار عبد الناصر حول إدارة المشير لمكتبه وصرح حينها : «إنني لا أريد أن يدخل عبد الحكيم في هذه القضية بسلطته أو سلطة الحكومة حتى لا يحرج المشير، ولهذا فإنني أطلب منه شخصيا تصفية هذه الانحرافات ومعاقبة المسؤولين عنها فورا..»، وعند مثول عامر أمامه قال له عبد الناصر: «إنني أريد أن تأمر بنفسك بالتحقيق في هذه الموضوعات ولا أريد أن تتصرف بمنطق الصعيدي الذي يتصور أنه مكلف بحماية رجاله فهذا منطق مشايخ غفر لا يليق بك».
«كان عبد الناصر يعرف أن أسلوب عامر هو أسلوب العمد وشيوخ البلد(يضيف هيكل) وأن منطقه كان منطق الصعيدي وليس أسلوب مؤسسة منضبطة لها تراث وتقاليد، ولا هو منطق القائد الذي يلتزم باللوائح والقوانين، ففضيحة المشير كانت نموذجاً لأخطاء السلطة الأبوية في المؤسسة العسكرية وهي السلطة التي ضيّعت الجيش في يونيو 1967 قبل أن تضيع أعصاب قائده، بل إن الهزيمة لم تعلمه كيف يتخلص من هذا الطراز من السلطة، ولعلّ هذا ما وجدته كذلك في كتاب أنور السادات «البحث عن الذات» حينما يقول :«كان لعبد الحكيم عامر أخطاؤه بطبيعة الحال، ولكن الأهم من ذلك أنه كان يسيء اختيار معاونيه بشكل فاضح، وكان من أبرز ملامح شخصيته روح القبيلة، فهو يساند معاونيه بالحق أو الباطل».
عامر ووردة الجزائرية
بعد سنة تقريباً على فضيحة مكتب المشير وتحديدا في العام 1960، انفجرت قنبلة أخرى من العيار الثقيل وهو زواجه السرّي من إحدى الفنانات، وأنه يعيش معها بإحدى الفيلات التي اشتراها لهذا الغرض ، لم تلك الأنباء قد وصلت بعد إلى جمال عبد الناصر، الذي كان قد علم سابقا بأن هناك علاقة تربط المشير بإحدى المطربات العربيات وسارع إلى إبعادها عن مصر ومنع عودتها إليها لحماية ظهر المشير من الهمس والغمز، خاصة وأنه الرجل الثاني بعده.
لم تكن تلك المطربة سوى وردة الجزائرية. كان المشير عبد الحكيم قد تعرّف عليها(وزير الحربية آنذاك) عندما كان عائدا لدمشق أيام الوحدة مع سوريا وقد صادفها في الطريق حينما كانت وردة في طريقها إلى دمشق وقد تعطلت سيارتها فأمر المشير بتوصيل السيدة إلى المكان الذي تريده، كانت وردة الجزائرية حينئذ غير معروفة في مصر ولكنها عرّفت بنفسها أثناء الحديث وألحّت أن تنقل للمشير رغبتها في مقابلته لتقدم له الشكر، وبالفعل حضرت وردة في منطقة أبو رمّانة بدمشق، كان اللقاء في وضح النهار حيث يجلس المشير عامر على كرسيه وبجانبه أنور السادات واللواء أحمد علوي وعبد الحميد السراج، فتقدمت منه وأعربت له عن شكرها الجزيل عن شهامته ونبل أخلاقه، وعندما وصل تقرير سرّي إلى مكتب الرئيس عبد الناصر وانتشرت الإشاعات وقتها بوجود علاقة بين وردة وبين المشير وزادت حدة الشائعات (يقال إن وردة الجزائرية انتهزت فرصة لقائها بالمشير عامر وحاولت استغلالها لصالحها بعد مجيئها للقاهرة وبدأت توهم المحيطين بها بأنها على علاقة بالمشير وأنها تتصل به هاتفيا...)، قام جمال عبد الناصر بإصدار قرار بإبعاد المطربة إلى خارج البلاد وأعطى تعليماته للأجهزة المختصة بمنعها من دخول مصر بحيث لم ترجع إليها إلا في مطلع السبعينيات خلال حكم الرئيس السادات.
عامر وبرلنتي عبد الحميد..«المشير وأنا»
بعد إغلاق الملف الساخن الذي أثير في وجه المشير عامر بعد الأنباء التي أفادت بارتباطه بالمطربة الجزائرية وردة، عادت القصة تروى من جديد عن علاقة المشير ببعض الفنانات التي كان على رأسها علاقته بالفنانة برلنتي عبد الحميد (نفيسة عبد الحميد حواس، ممثلة مصرية ولدت بالسيدة زينب بالقاهرة في 25 ابريل 1935، عرفت بتقديم ادوار الإغراء والإثارة وبدأت أولى أدوارها السينمائي من خلال فيلم شم النسيم 1952) التي تزوجها وأضحى يعيش معها سرا بإحدى الفيلات الخاصة بعد أن كان عبد الحكيم عامر قد تعرف عليها في إحدى الحفلات التي نظمها له أصدقاؤه بعد عودته جريحا من سوريا عقب الانفصال (كانت الوحدة قد أعلنت بين مصر وسوريا في 22 فبراير 1958، وأنهيت بالانقلاب العسكري بدمشق يوم 28 سبتمبر 1961) حسب ما جاء في مذكرات صلاح نصر، مدير المخابرات زمن عبد الناصر وصديق عبد الحكيم عامر، التي نشرتها جريدة العربي المصرية بتاريخ 18 غشت 1997 في عددها 227 حين وصفه لتلك الإحداث حيث يقول «....في ليلة عودة المشير عبد الحكيم عامر جريحا من سوريا عقب الانفصال تعرّف على الفنانة برلنتي عبد الحميد عن طريق أصدقائه الذين أقاموا له حفل شاي متواضعا لرفع معنوياته وليثبتوا له أنهم لازالوا إلى جانبه واثبات ولائهم له وأنهم يشاركونه أزمته النفسية، وخلال هذا الحفل رأى عبد الحكيم برلنتي وجلس معها لأول مرة فبهر بثقافتها وسحرها الجذاب خاصة أمام ثقافتها البارزة التي كانت قد اكتسبتها من خلال لقاءاتها المتعددة بالأدباء والمفكرين ...
تقول برلنتي في مذكراتها التي حملت عنوان (المشير وأنا) عن علاقتها بعبد الحكيم عامر «كانت أول مرة أرى فيها عبد الحكيم بعد الثورة مباشرة (دون أن يعرفني حينها ودون أن أتحدث إليه)، فقد دعتني إحدى صديقاتي لحضور الندوة التي دعت إليها قيادات الثورة لمعرفة ردّة فعل الشعب عليها وآرائهم وليصححوا أي أخطاء في قراراتهم، فاستغربت وقتها وقلت لها يعني حنرجع إلى زمن عمر بن الخطاب، وعندما ذهبت إلى الندوة كان المشير عامر يجلس إلى جوار عبد الناصر وعباس رضوان وصلاح نصر بشكل طبيعي جدا، كنت حينها معجبة بالمشير وبرجالات الثورة بعد ما سمعته من الناس عن الشكر والثناء لتخليصهم من حكم فاروق، لكنني رغم إعجابي به لم أكن أحلم بأنني سأكون زوجة له، كنت حينها قد شعرت بأنني لفتت انتباهه إلي حينما قمت بتوجيه سؤال له حول السبب في سجن والد صديقتي بدون سبب، والغريب أنه لم يغضب وقبل كلامي بهدوء ووعدني بالنظر بالأمر».
وتابعت برلنتي قائلة: «... بعد انتهاء الندوة عدت إلى بيتي مقرّرة ألا أحضر مثل هذه الاجتماعات مرة أخرى لأنها لا تستهويني، وفي اليوم التالي فوجئت بمكالمة صلاح نصر، مدير المخابرات المصرية، يدعوني إلى اجتماع آخر قائلا لي إن المشير سيكون حاضرا، استغربت الأمر كثيرا حينها وبدأت أسأل نفسي كيف عرف صلاح نصر بإعجابي بعبد الحكيم؟ صمتُُّ فجأة وقلت له بأنني سأحضر الندوة، كانت تلك الندوة وغيرها من الندوات التي داومت على حضورها قد عرفتني بعبد الحكيم عامر جيدا دون أن أكلمه أو أتحدث إليه على الإطلاق بصفة شخصية ومنفردة إلا يوم دعيت إلى الحفل الذي أقامه له أصدقاؤه بعد الانفصال عندما عاد من سوريا ، حينها فقط كان أول حديث لي معه مباشرة ، وأثناء حديثي معه قال لي: إن المثقف هو من يتعرف على محيطه أولا، ويومها شعرت بأنني جاهلة لعدم قدرتي على الرد على الأسئلة التي وجهها إلي، وبعدها بيوم أرسل لي مصحفا وكتابا عن العقاد.»




كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في المغرب نشر في المساء يوم 05 - 12 - 2011

ساهم بنشر الموقع و لك جزيل الشكر