‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف رشاد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف رشاد. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 6 سبتمبر 2013

ناهد رشاد والملك فاروق

كان الملك فاروق قد أحب ناهد رشاد كثيرا لدرجة أنه أضحى يصطحبها معه إلى أي مكان دون اكتراث بزوجها يوسف رشاد، الذي هو طبيبه الخاص، خصوصا بعدما أقنعته بأنها الشخص الوحيد الذي لا يكذب عليه إطلاقا ويقول الحقيقة (تأكد الملك من إخلاصها بعد أن كانت توصله بكامل الأخبار عن شقيقته المطلقة فوزية)، فقد كانت جريئة في بعض المواقف وحريصة في أخرى، وفي جميعها كانت تعرف كيف تختارها وبدقة، لكن هذا الإخلاص والثقة العالية بها قد جرّ على الملك نفسه ويلات كبيرة، حيث كانت ناهد أحد العوامل الأساسية، التي اعتمدت عليها ثورة يوليو، للإطاحة بالملك بعد أن كانت تمد رجالات الثورة بكل التفاصيل عن تحركات فاروق وسهراته واجتماعاته، والأشد من ذلك أن فاروق لم يكن يعلم شيئا، بل كان غارقا حتى أذنيه، واختار لها مسكنا آخر في حي الأثرياء، بدل الشقة الصغيرة التي كانت تقيم بها في الجيزة، هذا الانتقال الذي هيأ لها أن تقترب أكثر من عرش مصر، بعد أن منحها فاروق العديد من الأراضي وسجلها باسمها شخصيا.
الاميرة فايزه على يسار الصورة ومعها ناهد رشاد


يقول المراغي في مذكراته: «ذات مساء رنّ الهاتف في منزلها الجديد وكان على الطرف الآخر الملك فاروق يخبرها بعدم استطاعته مرافقتها لإحدى سهراته، بسبب انشغالاته الملحّة والضرورية (كان يريد أن يقضي ليلته مع فاطمة طوسون التي سنتحدث عنها في حلقة خاصة)، لكنها سمعت بعض الأصوات النسائية عنده، والتي اكتشفت فيما بعد بأنها فاطمة طوسون، لذلك كاد الهاتف أن يسقط من يدها، فقد تصورت أن فاطمة، تلك الفتاة الجميلة أيضا، ستحلّ محلها بقلب فاروق وعندئذ ربما يضيع من بين أقدامها الطريق إلى العرش.
وفي صباح اليوم التالي، توجهت إلى القصر كعادتها لتؤدي وظيفتها الخيالية، حيث كانت وصيفة بلا ملكة، وكان الصباح أشد كآبة من الليل، إذ أن الملك لم يستدعها كعادته إلى جناحه الخاص، فعادت بعد انقضاء يومها إلى منزلها لتمضي ثلاثة أيام دون أن ترى الملك فاروق ودون أن تنقطع عن شرب الخمر والسجائر، وفي المساء الأخير لليوم الثالث، رنّ جرس الهاتف في غرفة نومها وسمعت صوت فاروق يحدثها طالبا منها التوجه إلى جناحه في الصباح، ولمّا جاء الصباح، أكملت زينتها وارتدت الثوب الذي يروق فاروق ودخلت عليه دون أن تجد بأن شوقه إليها قد فتر،وأثنى على جمالها وجمال ثوبهاوقالت له: مبروك يا مولاي، مبروك خطبتكم على فاطمة!! فصرخ الملك في وجهها مؤكدا أنه لم يخطر له أن يتزوج من فاطمة طوسون، وموضحا لها بأنها مجرد صداقة فقط، حينها ردّت عليه بدلال مصطنع إنني اعرف نوع الصداقة التي تمارسها يا مولاي، فضحك الملك وأخبرها بأنها غيورة، مطمئنا إياها بأنه لن يتزوج فاطمة، فانطلقت بفرح تقول: لكن يا مولاي يجب أن تتزوج، إن العرش لا يكون كرسيا دون أن تنجب ولي العهد، فقال لها إنني فعلا أريد أن أتزوج (وهو ينظر إليها بدهاء) لكن تلك المرأة متزوجة، فردّت عليه: وهل بين جميع نساء مصر لا تجد إلا سيدة متزوجة لتكون بجوار ملكك، فرّد عليها لأنني أحبها وهي بجمالها وذكائها تصلح لأن تكون الملكة، فقالت: وماذا ستصنع بزوجها؟ فرّد عليها بالقول: حين أعتزم ذلك، فإنني سأطلب من زوجها أن يطلقها. هنا بدأت الشكوك تساورها، فتلك المواصفات التي قالها الملك تنطبق عليها تماما، فهي جميلة مثقفة ومتزوجة، فحاولت بإلحاح على الملك أن تعرف حقيقة تلك السيدة، فقال لها الملك: أنت يا ناهد!! (كان يكذب عليها فقط)، كانت لحظة لم تصدقها وكادت أن تسقط مغشيا عليها، فقد أصبحت (قولا فقط وليس فعليا) ملكة مصر وحلمها بات على أبواب التحقيق والواقع.
لكن مضى عام على هذه الواقعة ولم يفتح فاروق الموضوع مرة أخرى، فعلمت بأن ذلك ليس سوى لعبة منه لمسايرتها فقط والحصول على رغبته التي لا يكلّ منها ولا يمل، وعند لقائه في أحد الأيام، صارحها بحقيقة الملكة القادمة، والتي لم تكن ناهد، بل كانت ناريمان صادق، خاتما حواره معها بالجملة التي قضت على كل أحلامها: لقد كنت وصيفة بلا ملكة والآن أصبحت وصيفة ملكة، إنها ملكة مصر القادمة ناريمان .. ناريمان صادق».
عادت ناهد إلى بيتها مهرولة من وقع الصدمة، عازمة في الوقت نفسه على الانتقام من فاروق الذي خدعها، وخير وسيلة للانتقام هي أن لا تهرب من القصر الملكي، بل على العكس، قررت قبول وظيفتها الجديدة كوصيفة للملكة القادمة ناريمان، لأنها لو تركت القصر، فإنها لن تستطيع أن تنفذ خطة الانتقام.
وحتى تحقق غايتها، حسب المراغي، لجأت إلى رئيس الحرس الحديدي للتخلص من فاروق والتحريض على قتله، بعد أن احتفظت بأسرار الضباط الأحرار، الذين عزموا النيّة على التخلص منه دون أن تخبره بذلك، بعد أن كانت على علاقة قوية مع أحد قيادات الثورة، وهو أنور السادات، الذي أمدّته بكل تحركات فاروق وكانت نقطة الارتكاز الأساسية لهم داخل القصر، حيث سهلت عليهم الإطاحة به وبعرشه، بعد أن تزعمت هي وزوجها يوسف رشاد غالى، إلى جانب مصطفى كمال صدقي، الحرس الثوري الذي شكله فاروق للتخلص من خصومه السياسيين أمثال مصطفى النحاس، لينقلب السحر على الساحر، وتكون تلك الأداة في مواجهته وليس في مواجهة خصومه.

الأربعاء، 21 أغسطس 2013

السيرة الذاتية لناهد رشاد المرأة التي هزت عرش مصر.


يجد الملك فاروق نفسه مذعناً لتنفيذ أوامر الإنجليز بتعيين مصطفى النحاس رئيسا للوزارة. وفي أثناء رحلته إلى القصاصين يصاب في حادث تصادم. ويتعرف على الطبيب يوسف رشاد وزوجته نهى. يعجب بالمرأة، ويلحقها بالعمل في القصر كوصيفته، تحاول نهى الصعود اجتماعيا من خلال ضعف شخصية الملك، خاصة بعد أن يتم تكليف الزوج بتكوين الحرس الحديدي. والذي من خلاله يتم اكتشاف كل من الضابط المستهتر مصطفى كمال والضابطأنور السادات. تنفصل نهى عن زوجها ويطردها الملك، فتغدو عشيقة لمصطفى كمال. تنادي بالوقوف ضد الملك، وتعمل على تكوين خلية سرية مع الضباط الأحرار الذين تساعدهم، حتى تنقذ الثورة من المخاطر

إنها شخصية نسائية مهمة فى السنوات الأخيرة من حكم الملك «فاروق»، ليس باعتبارها فقط «وصيفة القصر»، ولا لأنها زوجة الطبيب الملكى الضابط الدكتور «يوسف رشاد»، ولكن لأنها امتلكت شخصية قوية كان لها تأثير كبير على الملك فى سنوات اضطراب أحواله حتى رشحتها بعض الشائعات أن تصبح ملكة «مصر» بعد طلاق «فاروق» للملكة «فريدة».


إنها السيدة «ناهد رشاد» التى شاركت فى اختيار الملكة الجديدة «ناريمان» فى السنوات الأخيرة من عرش الأسرة العلوية كلها، وذات صباح من خريف عام ١٩٧١ وأنا نائبٌ للقنصل المصرى فى «لندن» ـ فى ذلك المقر الأنيق «بشارع المليونيرات» فى غرب العاصمة البريطانية ـ تقدمت السيدة «ناهد رشاد» بقرار علاجها إلى القسم الطبى فى القنصلية العامة، ولفت نظرى أن قرار علاجها يعطيها بصفة خاصة بدلاً نقديًا مضاعفًا تكريمًا خاصًا من الرئيس «السادات» لها

وبدت لى السيدة فى وقار النبيلات لا تخلو ملامحها من مسحة جمال يوشك على الرحيل وشخصيةٍ ثرية بالخلق والذكريات ووجدتنى أمام كنزٍ حقيقى من المعلومات أستمع منه إلى تلك السيدة الفاضلة ـ رحمها الله ـ وهى تحكى عن ذكريات تعرِّف زوجها بالضابط «أنور السادات»، وكيف تطورت تلك العلاقة حتى اكتشفت أننى أمام شخصية أسطورية كانت قريبة من تنظيم «الضباط الأحرار» وغير بعيدة عن تنظيم «الحرس الحديدى» أيضًا

ولديها مخزون ضخم من ذكريات تلك الفترة كما تحمل تقديرًا وإكبارًا شديدين للرئيس الراحل «أنور السادات»، وتتحدث باحترام عن زوجها الراحل «د.يوسف رشاد» الذى قضى سنوات عمره الأخيرة فى مدينة «الغردقة» بعيدًا عن «القاهرة» وصخب ثورة «يوليو» وتداعياتها المعروفة.

ولقد تيقنت من حديثها أنها أوصلت منشورات الضباط الأحرار إلى مكتب الملك إشفاقًا عليه وحرصًا على عرشه وإدراكًا منها أن الحكم يمر بأسوأ مراحله وأن الرياح القادمة سوف تعصف بالجميع، فقد اكتشفت بحكم اتصالاتها وذكائها أن العد التنازلى لحكم «فاروق» قد بدأ، كما كانت تتحدث عن شخصية «أنور السادات» كأسطورة عابرة فى تاريخ تلك الفترة، كذلك حكت لى عن وساطة زوجها «يوسف رشاد» لإعادة «أنور السادات» إلى الخدمة العسكرية، خصوصا أن ذلك الضابط الوطنى ـ السادات ـ لم يستمتع بالزى العسكرى إلا لمدة عام ونصف على امتداد الفترة من ١٩٣٩ سنة تخرجه فى الكلية الحربية إلى عام ١٩٥٢ سنة مشاركته فى ثورة يوليو وأمضى الفترة الباقية مناضلاً فى الشارع المصرى متنقلاً بين معظم الاتجاهات السياسية.

ولقد تذكرت السيدة «ناهد رشاد» فى مناسبتين، أولاهما: عندما عملت بالسفارة المصرية بالهند وكان زميلى هناك هو السفير الراحل «أحمد عبدالسلام رشاد»، الذى كان أبوه أستاذًا فى «طب الإسكندرية» وعمه مباشرة هو «يوسف رشاد»، وكان ذلك الدبلوماسى الشاب وقتها مختلفًا عن كل أقرانه فهو سليل عائلة عريقة من الأم والأب، ويجيد اللغات الأجنبية على نحوٍ لافت ويهوى رياضة اليخوت ويهتم بفصائل الكلاب النادرة،

وكان لديه كلب أثير يسميه «باشا»، وقد استكملت منه قصة عمه «يوسف رشاد» وعمله طبيبًا فى البحرية المصرية وبداية صلته بالملك «فاروق»، أما المناسبة الثانية: فكانت عندما التقيت ابنة السيدة «ناهد رشاد» فى مناسبة اجتماعية عامة، وهى سيدة فاضلة قرينة لواحد من كبار طيارينا كان يحمل رتبة «الفريق»، ووجدتها تحمل نفس كبرياء العائلة وشموخ أفرادها واعتزازهم بتاريخهم الشخصى والاجتماعى.
إننى أكتب عن صفحة مطوية من تاريخ مصر الحديث، تاركًا للمؤرخين الذين غاصوا فى أعماق تلك الفترة أن يحكموا على رؤيتنا، وهى مجرد لقطات عابرة ساقتنى ظروف حياتى إليها فرأيت أن أخرج بها وكأنها «بورتريه» إنسانى لأشخاصٍ رأيتهم فى مسيرة حياتى التى تكمل هذا الأسبوع تحديدًا ثلثى قرنٍ من الزمان!

ساهم بنشر الموقع و لك جزيل الشكر